أعداء الوطن
ليس عدو الوطن بالضرورة من يرفع شعارًا ضده أو يعلن العداء له أو يحمل سلاحًا؛ فبعض أعداء الوطن يحملون قلمًا، وبعضهم يحمل قرارًا، وبعضهم يحمل سماعة طبيب! فقد يكون عدو الوطن شخصاً يعيش فيه، ويعمل في مؤسسة من مؤسساته، ويؤدي دورًا من أدواره؛ لكنه يمارس سلوكًا يضر بالمجتمع ويهدم الثقة والعدالة والتنمية، ويمس أمن الوطن واقتصاده وقيمه، ويضعف ثقة أبنائه بمؤسساته.
عدو الوطن هو كل طبيب يسجل مواعيد وهمية ليحظى بقسط من الراحة على حساب المرضى وموارد الدولة، هو كل ممارس صحي خان الأمانة وحنث بالقسم.
عدو الوطن هو كل معلم تنصل من رسالته، وكل معلمة استنزفت وقت الأسر وجهدها وميزانيتها بكثرة الطلبات التي ما أنزل الله بها من سلطان ولم يصدر بحقها نص نظامي من الوزارة ولا بيان.
عدو الوطن هو كل موظف يستطيع إنجاز المعاملة اليوم لكنه يؤجلها بلا سبب إلى الغد، هو كل موظف يتهرب خلال وقت العمل الرسمي ويضيع وقت المواطن في التنقل بين المكاتب.
عدو الوطن هو كل مسؤول يستخدم صلاحياته بطريقة تعسفية ويتعامل مع الخدمة العامة باعتبارها سلطة على الناس بدل أن تكون مسؤولية تجاههم.
عدو الوطن هو كل مقاول يستخدم مواد أقل جودة من المواصفات أو يتجاهل اشتراطات السلامة في سبيل البحث عن أقصر طريق لزيادة هامش الربح.
عدو الوطن هو كل رجل أعمال تلاعب في نسب التوطين وهمًا، وساهم في رفع معدلات البطالة واقعًا، هو كل تاجر تخلف عن دفع أجر لأجير وأنكر حقه.
عدو الوطن هو كل أب تخلى عن مسؤوليته تجاه رعيته، وكل أم لم تصن بيتها وأهملت أبناءها وجعلت وعيهم نهبة للتافهين في وسائل التواصل الاجتماعي، وسلوكهم لعبة بيد المنحرفين.
عدو الوطن هو كل مواطن لا يحترم قوانين الوطن، وقواعد المرور، ولا يحافظ على الممتلكات العامة «يكتب على الجدارن، يرمي النفايات، يعبث بالأماكن العامة، يلوث البيئة، ويساهم في هدر الموارد...».
فهل راجع كل واحد منا نفسه ليتأكد أنه ليس واحداً منهم؟ فعدو الوطن هو كل سلوك يضر بالوطن أياً كان صاحبه أو موقعه أو حتى مقدار وطنيته التي يتغنى بها.
وفي المقابل قد يكون أكثر الناس وطنية ومنفعة للوطن شخصًا لا يتحدث كثيرًا عن الوطنية؛ فهو طبيب يؤدي عمله بإخلاص، ومعلم يصنع طالبًا واثقًا، وموظف يحترم وقت الناس، وعامل يتقن عمله، ومسؤول يعدل ولا يحابي، ورجل أعمال يلتزم بالأنظمة، وتاجر يرفض الغش، وأب وأم يربيان أبناءهما على المسؤولية، ومواطن يحافظ على وطنه ومقدراته كما يحافظ على بيته وممتلكاته الخاصة … هؤلاء الذين يبنون الوطن بلا ضجيج هم الوطنيون حقًا.














