قهوة
من المواقف الطريفة التي حدثت لي في المقاهي المختلفة، أنني طلبت ذات مرة قهوة الكابوتشينو بجرعة ناقصة، شرحت للباريستا الفلبيني أنني أرغب في الحجم الوسط، لكن مع جرعة واحدة كما في الحجم الصغير، فقال لي بلطف: ”ما رأيك في أن أعد لك بعض الحليب الساخن وحسب؟“ وبصراحة، فإن الاقتراح باغتني فلم أعرف كيف أرد… بينما كنت أريد جرعة الكافيين الصباحية المعتادة وحسب والتي ستعمل كنوع من زر التشغيل لدماغي لكي يبدأ يومه، ولكن فقط… بدون مبالغة!
وفي مرة أخرى حضّرت لي الباريستا قهوتي تلك نفسها بثلاث جرعات، أي أنها فهِمت طلبي للجرعة الواحدة على أنها واحدة زيادة… أعتقد أنها جوبهت بشكل مفاجئ بطلب غير مألوف، يتعارض مع السائد في زمن السرعة وأعباء الحياة والوظيفة والدوامات الطويلة في بيئة عالية الضغط، حيث يطلب الناس المزيد من القهوة ليتمكنوا من الاستمرار. وحيث تحولت المقاهي، خاصة القريبة من أماكن العمل، إلى محطات وقود سريعة تضخ كميات هائلة من الكافيين في أجساد منهكة، ليس لأجل متعة النكهة، أو فائدة صحية ما، بل لمجرد القدرة على مواصلة الركض في ساقية العمل اليومي المحموم، بينما ترنّ حولهم أجراس إنذار من لا مكان وكل مكان ولأسباب لا تنتهي.
دهشة مقدم الخدمة عندما يواجه طلبًا لا يتماشى مع خط الإنتاج السريع، وكأن طلب القهوة المخففة أصبح «خروجًا عن النص» أو تمردًا صامتًا على إيقاع الحياة السريع الذي يُجبر الجميع على مجاراته.
الاصطدام بين رغبة الفرد في التخفف والهدوء، «طلب جرعة أقل أو حجم أصغر»، وبين البرمجة الاستهلاكية السائدة التي تفترض دائمًا أن هذا الشخص كغيره يريد «الأكثر، والأكبر، والأثقل» ليتحمل ضغط الحياة. تصبح محاولة شرح طلب بسيط مجرد دليل إضافي على مدى توغل ثقافة العجلة والزيادة المستمرة. لدرجة أن شرح ما تريده بالضبط يصبح بحد ذاته عبئًا إضافيًا لا تتحمله، وبالتالي تكتفي بالخيارات القليلة المتوقعة منك! مثلًا… كم عدد المنتجات التي قد تجدها في قائمة المقاهي المختصة أو غير المختصة التي لا تحتوي على سكر ولا كافيين؟ أرى أن هذه صناعة تواجه تهديدًا حقيقيًا بأن تتحول إلى خط إنتاج آلي يخدم الرأسمالية والاستهلاك، لا تذوق الإنسان وراحته.
لم أعرف كيف أشرح ذات يوم لباريستا سعودي، أن يده أكبر من يدي، ولذلك لن أرتاح لحمل كوب قهوة أكبر وأثقل حتى لو كان فرق السعر ريالين!
وهذه القصص لا تقتصر على بلدي الحبيب، فذات يوم في أوروبا طلبت قهوة الكابوتشينو إياها مع حليب ناقص الدسم - حين كانت الموضة أن الدهون هي التي تفسد الصحة وليس السكر - فوجئت بها تضع لي حليبًا منزوع الدسم بدلًا من إخباري بعدم توفر ما طلبته! ثم وضعت اللوم على اختلاف الثقافات وأن وصف منزوع الدسم يساوي نصف الدسم في بلدهم!
حسنًا… سأعترف… حدث ذلك في إسبانيا، والتي زرتها أربع مرات.
هناك كذلك هذا الحديث المتزايد عن عفن القهوة.. حيث أن حبوب البن تتعرض لنمو بعض أنواع الفطريات، بسبب ظروف التخزين السيئة، مما يترك طعمًا ترابيًا أو تالفًا تجري محاولة إخفائه غالبًا عبر زيادة نسب التحميص أو السكر والنكهات.
وربما ذكرتني رائحتها غير مرة بالحناء، ولست أقول هذا من باب الإطراء!
ربما لا يكمن العطب في حبة البن وحدها، ولا في أولئك العاملين الذين يجرون خلف خطوط الإنتاج السريعة، بل في تلك الروح الاستهلاكية التي تسللت حتى إلى أبسط طقوسنا. حين يحوّل إيقاع الحياة السريع فنجان الصباح من مساحة للهدوء والتأمل إلى مجرد «وقود إجباري» لنستمر في الركض، وهذا الحديث عن جودة البن أو عفنه، ليس سوى انعكاس لتلك العجلة التي أكلت طعم الأشياء. وبين هذا الضجيج كله، يظل طلب فنجان مخفف يتم احتساؤه على مهل، هو محاولة صغيرة لترميم الهدوء… بعيدًا عن صخب الحياة الحديثة.














