آخر تحديث: 28 / 8 / 2026م - 10:25 ص

حين يمنحنا احتضان الطفل أكثر مما نعطي

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم * صحيفة اليوم

لفتني حديث عن تجربة إنسانية مرتبطة باحتضان طفل، ليس لأن كفالة اليتيم قيمة جديدة على مجتمعنا، ولا لأن فعل الخير مستغرب منه، بل لأن مثل هذه التجارب تفتح نافذة على معنى أكبر من مجرد تقديم الرعاية لطفل يحتاج إليها: ماذا يحدث عندما يصبح الاحتضان أسرة؟

والمقصود بالاحتضان هنا أن تتولى أسرة رعاية طفل يحتاج إلى الرعاية الأسرية، وتوفر له بيئة آمنة ومستقرة، وما يحتاج إليه من رعاية واهتمام وتعليم ودعم نفسي واجتماعي، بما يحقق مصلحته ويمنحه الشعور بالأمان والانتماء.

نحن عادة ننظر إلى العلاقة من جهة واحدة: طفل فقد الرعاية الأسرية، وأسرة قررت أن تمنحه بيتًا وتعليمًا وأمانًا وحياة أفضل. وهذه كلها مكاسب مهمة، لكن التجارب الإنسانية تقول إن الأثر لا يسير في اتجاه واحد. الأسرة أيضًا تتغير، ويتسع مفهومها للأبوة والأمومة والعطاء والانتماء.

فالطفل المحتضن ليس مشروع إحسان نتعامل معه من موقع المانح والمتلقي، بل إنسان يدخل في نسيج الأسرة، ويصبح جزءًا من يومها وذاكرتها ومستقبلها.

وهنا تصبح التجربة أكثر أهمية من لحظة الاحتضان نفسها.

فالنجاح ليس أن نضع طفلًا داخل منزل، بل أن نساعده على أن يكبر آمنًا، ويتعلم، ويبني علاقاته، ويعرف أن هناك أشخاصًا يعود إليهم، وأن له مكانًا ثابتًا في أسرة يشعر داخلها بالأمان والاستقرار والانتماء.

وهذا المعنى يتقاطع مع جهود وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في دعم منظومة الأسر الحاضنة، وتعزيز ثقافة الاحتضان، وتوفير البيئة المناسبة لرعاية الأطفال، بما يراعي احتياجاتهم ويضع مصلحتهم في مقدمة الأولويات.

والمهم هنا أن الاحتضان ليس رغبة عاطفية عابرة.

فالطفل الذي يحتاج إلى الرعاية الأسرية يحتاج إلى حماية حقوقه أولًا، والأسرة الراغبة في احتضانه تحتاج إلى التأهيل والاستعداد والقدرة على الاستمرار. ولهذا تأتي أهمية وجود منظومة تنظم الاحتضان، وتتحقق من أهلية الأسر، وتتابع احتياجات الطفل، وتوفر خدمات الدعم والإرشاد، بما يجعل مصلحته المعيار الأول في جميع المراحل.

والأثر لا يتوقف عند الطفل والأسرة المحتضنة.

كل طفل ينشأ في بيئة مستقرة، ويحصل على فرصته في التعليم والنمو النفسي والاجتماعي، هو استثمار اجتماعي طويل المدى. فالحد من العزلة والهشاشة الاجتماعية، وتعزيز الشعور بالانتماء والثقة والاستقلالية، ليست مكاسب فردية فقط؛ بل تنعكس على المجتمع كله.

ومن هنا تأتي أهمية الجهود التي تبذلها وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في تنظيم إجراءات الاحتضان، ونشر ثقافته، وتأهيل الأسر ومساندتها خلال المراحل المختلفة من تجربة الاحتضان، بما يعزز استقرار الطفل والأسرة على حد سواء.

وفي ثقافتنا الإسلامية، لم تكن كفالة اليتيم شأنًا هامشيًا، بل جاءت في منزلة عظيمة. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا»، وأشار بالسبابة والوسطى.

ولذلك، هنيئًا لكل أسرة فتحت بيتها وقلبها لطفل يحتاج إلى أسرة.

ولعل أجمل ما تعلمنا إياه مثل هذه التجارب أن الاحتضان ليس قصة إنقاذ بطلها طرف واحد، إنما هو منظومة اجتماعية وإنسانية متكاملة.

نعتقد في البداية أننا سنغير حياة طفل، ثم تمضي السنوات، ويكبر بيننا، ونكتشف بهدوء أنه غيّر حياة أسرة كاملة أيضًا.

وهذا ربما أجمل ما في العطاء؛ أن يعود إلينا بصورة لم نكن ننتظرها.

استشارية طب أسرة
مستشار الجودة وسلامة المرضى
مستشار التخطيط والتميز المؤسسي
كاتبة رأي