بعض الجُلساء
في مجلس ثقافي، حيث تزدان الأحاديث الهادفة والتعرّف إلى العلوم المتنوعة ونقل التجارب المختلفة، كان الأعضاء يهتمون بتجديد الدماء بين الحين والآخر، وكذلك كانوا يهتمون باستضافة مَن لديه محتوى «أدبي/ علمي/ تربوي/ تعليمي/ اقتصادي» راقٍ وموضوع ناهض. إلا أن حركة غير مقصودة أحدثت خللًا كبيرًا.
انضمت ذات يوم إلى مرتادي المجلس المعتادين مجموعة من الوجوه الجديدة بدعوة من أحد الأعضاء القدامى ومن دون اتفاق أو تنسيق أو تفاهم مسبق، وإنما دعاهم بهدف زيادة أعضاء المجلس؛ فاستقبل الأعضاء أصحاب الوجوه الجديدة ورحبوا بهم، وكان أغلب الأعضاء القدامى في المجلس غير مطلعين على أي شيء عن شخصيات أولئك الضيوف الجدد وثقافتهم. وبعد انطلاق الأحاديث المتنوعة وتحليقها كالمعتاد، دار الحديث في أحد تفرعاته عن حِكم ومقالات وإنتاج أدبي وآخر إصدارات الكتب الفكرية للأمم الأخرى. واكتشف أعضاء المجلس من ثنايا مداخلات بعض الضيوف أن الشخص الذي دعاهم للحضور ارتكب حماقة لا تُغتفر، وأن مصاديق الحديث المنسوب إلى النبي محمد ﷺ: «الإنسان طيّ لسانه»، والحكمة المنسوبة للإمام علي
: «تكلموا تُعرفوا»، أضحت ماثلة أمام أعينهم.
أورد أحد الجلساء مقولة أن الحكمة هي خلاصة تجارب أقوام سابقين، وسرد مجموعة من الحِكم الأجنبية الرائعة، وكان في صدرها حكمة برازيلية نصها:
«لا تُطارد فراشة مهما بلغ جمالها، اعتن بحديقتك وستأتي تلك الفراشة وحدها». وعلّق شخص آخر: هذه حكمة لطيفة ومعناها عميق جدًا. فعلق أحد أصحاب الوجوه الجديدة بقوله: كم متر عمقها؟! وأردفه آخر بتعليق آخر، وهو أيضًا من أصحاب الوجوه الجديدة: يمكن إذا غيّر نوع السماد في الحديقة، ترجع الفراشة الجميلة!
تضجّر الحاضرون القدامى وتغافلوا عن كلا التعليقين، وأحسّ القدامى أن بعض أصحاب الوجوه الجديدة عديمي الاحترام لآداب المجالس الفكرية، وأن البعض تغلب عليهم روح المناكفة أو روح الاستهزاء والتهكم على أقوال الآخرين وقراءاتهم الأدبية.
استرسل الشخص المثقف ذاته في كلامه وأورد حكمة ثانية لتعضيد فكرته بأن الحِكم مخاض تجارب أمم، فقال:
أورد فيلسوف واقتصادي ألماني الحكمة التالية: «من أراد أن يقود الأوركسترا، فعليه أن يدير ظهره للجمهور»؛ فعلق شخص آخر من أصحاب الوجوه الجديدة وقال: اسمع مني، من أراد أن يستانس لا بد أن يُطجع «لا يعير اهتمام» بأي شخص ولا يعير اهتمام بكلام الناس، وأهم شي يطرب نفسه!! فأنا فيلسوف منتف وحافي ولكن عجنت الدنيا وعجنتني. وعلق آخر بالقول: خلك من الأوركسترا وخلك من الدنيا واهتم بآخرتك!! ركز على تغيير نفسك للأفضل. ثم اندفع ضيف آخر بالتعليق قولًا ودون حسن استماع أو فهم المراد من الحكمة: «إلهي، أخرج حب الدنيا من قلبي».
تغافلوا عن التعليقات، وتأكد إحساس القدامى أن بعض أصحاب الوجوه الجديدة «الضيوف» منعدمي آداب المجالس الفكرية، وأن البعض تغلب عليهم روح التحدث دون مبرر والتهكم على أقوال الآخرين وقراءاتهم الأدبية.
استمر دوران الحديث في المجلس وشارك أحد النبهاء قصة عن موقف في معاملة بيع وشراء حدث أمام عينيه، تنم عن فطنة طفل صغير كان بصحبة والده في مقابل انحياز أب إلى التعامل مع العمالة الأجنبية عند إجراء معاملة شراء لبضاعة موسمية. إذ إن انحياز الأب إلى التعامل مع العمالة الأجنبية أعماه عن حقيقة تفاوت سعر ذات السلعة بهامش كبير وخداع العامل الأجنبي له، إلا أن فطنة الابن الصغير ودرايته بالحساب أيقظت الأب من انحيازه. وبعد الانتهاء من سرد الواقعة على مسامع الحاضرين بهدف نقل التجارب، انبرى أحد أصحاب الوجوه الجديدة وعلّق بقوله: من متى صار أولاد الديرة بهذا الذكاء والسرعة في الحساب!! وأسهب الناقد في نقد تلك القصة لإضاعة قيمة فكرتها ومضمونها.
بعد ذلك ساد الصمت لبرهة من الوقت، واكتشف الجُلساء القدماء أن بعض الضيوف أضحوا عبئًا وأصحابَ أفق محدود ومستمعين غير جيدين، ومفردات بعضهم هابطة للحد الذي يمكن اعتباره ملوِّثًا للسمع والفكر والكرامة؛ وعليه غُيِّر مجرى حوار الجلسة وأنواع الأحاديث إلى أفق أحاديث شعبية سطحية لا تتعدى الحديث عن آخر المسلسلات، وأكثر مقطع فيديو متداول، وآخر الفضائح لنجوم السينما والغناء، وقيمة آخر صفقات بعض لاعبي كرة القدم للانتقال من نادٍ إلى آخر. وبدأ مؤسسو المجلس بالتزام الصمت والتواري رويدًا رويدًا عن المشاركة، ثم إظهار علامات النعاس والرغبة في الانصراف.
بعض الجلساء لديهم كاريزما رائعة، ويحملون أفكارًا أروع ويتحدثون بلباقة وكياسة ومفردات جميلة، وهم نِعم الجلساء؛ فإذا حظي الإنسان بمثل هؤلاء الأشخاص جلساء، فنِعم الجلساء هم. إلا أن المجتمع البشري خليط من أناس متفاوتي التربية والأخلاق والأدب والذوق والعلم والأفكار والأساليب في التعامل، وعليه يجب أن يميّز الإنسان حيثما يذهب نوع الناس الذين قد يجلس معهم أو يجالسهم لأسباب مختلفة؛ لينهل من الجميل في أحاديثهم، ويصدّ عن القبيح من أقوالهم وأفكارهم ويهمله. والتغافل عن البعض أحيانًا يكون رحمة لنفسك، وأحيانًا أخرى يكون وحلًا ووبالًا عظيمًا يجب التخلص منه.















