الخليج يقترب من زمن المال الرقمي
لم تعد العملات الرقمية قضية تخص المضاربين أو شركات التقنية وحدها، بل أصبحت جزءًا من نقاش عالمي أكبر حول مستقبل النقود، وسيادة الدول على عملاتها، وسرعة التجارة، ودور البنوك في الاقتصاد الجديد.
وفي هذا السياق، أعلنت البحرين في يوليو 2025 إطارًا رسميًا لترخيص وإصدار العملات المستقرة Stablecoins, بحيث يمكن للجهات المرخصة إصدار عملة رقمية مرتبطة بالدينار البحريني أو الدولار الأمريكي أو أي عملة ورقية يوافق عليها مصرف البحرين المركزي. والهدف المعلن هو إدخال هذا النوع من الأدوات إلى النظام المالي بصورة منظمة وآمنة، بعيدًا عن العملات الرقمية غير الخاضعة للرقابة.
هذه الخطوة مهمة، لكنها لا تعني أن البحرين أصدرت «عملة خليجية جديدة»، ولا أن الدينار البحريني سيتحول إلى عملة رقمية بديلة. ببساطة، الStablecoin هو نسخة رقمية مستقرة القيمة، يفترض أن تكون مغطاة باحتياطيات مقابلة لها، ويمكن نقلها وتسويتها إلكترونيًا بسرعة كبيرة.
لكن الخبر يصبح أكثر أهمية عندما ننظر إليه من زاوية خليجية أوسع، وخصوصًا من زاوية المملكة العربية السعودية.
قد تبدو البحرين متقدمة اليوم في ترخيص الStablecoin, لكن السعودية دخلت مبكرًا جدًا في اختبار البنية التي تقوم عليها النقود الرقمية.
ففي عام 2019 أطلقت السعودية والإمارات مشروع «عابر»، وهو من أوائل التجارب عالميًا بين بنكين مركزيين لاختبار عملة رقمية مشتركة تستخدم في التسويات بين البنوك في الدولتين عبر تقنيات السجلات الموزعة.
وكان الهدف واضحًا: دراسة إمكانية تقليل وقت التحويل، وخفض التكلفة، وفهم المخاطر التقنية، وتأهيل الكوادر، واختبار التعامل المباشر بين البنوك.
والفارق هنا مهم.
فالسعودية لم تتجه مباشرة إلى إصدار عملة رقمية لعامة الناس، بل بدأت من البنية الأساسية للنظام المالي، أي بين البنك المركزي والبنوك.
وفي عام 2023 أكد البنك المركزي السعودي أنه لا يزال يختبر العملات الرقمية للبنوك المركزية للاستخدام المؤسسي المحلي، ويدرس آثارها الاقتصادية، وجاهزية السوق، والجوانب القانونية والتنظيمية، مع تأكيده في الوقت نفسه أنه لم يتخذ قرارًا بإطلاق عملة رقمية رسمية.
ثم انضمت السعودية في يونيو 2024 إلى مشروع mBridge الدولي لاختبار استخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية في المدفوعات العابرة للحدود.
وهذا يعكس نموذجًا سعوديًا يمكن وصفه بأنه متقدم تقنيًا، لكنه متحوط تنظيميًا؛ أي أن المملكة تختبر التقنية قبل تعميمها، وتبحث المخاطر قبل فتح السوق على نطاق واسع.
الفائدة الأولى واضحة: السرعة.
فالتحويلات بين الشركات والبنوك قد تستغرق وقتًا بسبب اختلاف الأنظمة والمراسلين البنكيين وساعات العمل. أما الأدوات الرقمية المنظمة فيمكن نظريًا أن تعمل على مدار الساعة وأن تقلل زمن التسوية.
والفائدة الثانية هي خفض بعض تكاليف التحويل والتسوية، خصوصًا في التجارة الدولية.
أما الثالثة فهي جذب صناعات جديدة، مثل شركات التقنية المالية، والأمن السيبراني، وحفظ الأصول الرقمية، والامتثال، وأنظمة الدفع، وتطوير البلوكشين.
وهنا قد يتحول الStablecoin من مجرد «عملة» إلى قطاع اقتصادي كامل حول العملة.
لنتصور تاجرًا سعوديًا يستورد بضائع من البحرين أو الإمارات أو آسيا.
اليوم قد تمر المدفوعات عبر بنك محلي ثم بنك مراسل ثم بنك الطرف الآخر، مع رسوم ووقت انتظار.
أما إذا وجدت شبكة رقمية موثوقة ومراقبة، فقد تصبح التسوية أسرع، وقد تقل الحاجة إلى بعض الوسطاء.
وهذا يعني للتاجر:
سرعة في دوران رأس المال، وتحسنًا في إدارة السيولة، وانخفاضًا محتملًا في بعض تكاليف التحويل، وإمكانية إجراء المدفوعات خارج ساعات العمل التقليدية.
وبالنسبة للشركات الكبرى التي تحول عشرات أو مئات الملايين سنويًا، فإن توفير ساعات أو أيام في دورة المال قد يكون له أثر مالي حقيقي.
الجواب: الاثنان ممكنان.
البنك الذي يدخل مبكرًا يستطيع أن يقدم خدمات الحفظ الرقمي، والمحافظ، والتسوية، والتمويل، وإدارة المخاطر، وربط النظام المصرفي التقليدي بالبلوكتشين.
لكن إذا انتقلت كميات كبيرة من ودائع العملاء من الحسابات المصرفية إلى Stablecoins خارج البنوك، فقد تخسر البنوك جزءًا من مصادر تمويلها.
والودائع بالنسبة للبنك ليست مجرد أموال محفوظة؛ بل هي أحد المصادر الرئيسية للإقراض وتمويل الاقتصاد.
وقد حذر صندوق النقد الدولي من أن انتشار العملات المستقرة يمكن أن يسحب الأموال من الودائع التقليدية ويؤثر في قدرة البنوك على التمويل، خصوصًا إذا أصبح الاستخدام واسعًا.
ولهذا قد يكون النموذج الأكثر أمانًا خليجيًا هو إشراك البنوك في النظام الجديد، لا تجاوزها بالكامل.
ليس بالضرورة.
إذا كانت العملة المستقرة مرتبطة بالعملة المحلية ومغطاة بها وتحت رقابة البنك المركزي، فقد تصبح مجرد قناة رقمية جديدة للعملة الوطنية.
ف«ريال رقمي مستقر» منظم، على سبيل المثال، قد يزيد استخدام الريال إلكترونيًا بدل أن ينافسه.
لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح عملة مستقرة أجنبية، خصوصًا المرتبطة بالدولار، وسيلة رئيسية للادخار والدفع داخل الاقتصاد المحلي.
هنا يمكن أن يحدث ما يسمى إحلال العملة Currency Substitution, أي أن يبدأ الناس باستخدام عملة أجنبية رقمية بدل العملة المحلية.
ويرى صندوق النقد الدولي أن الانتشار الكبير للعملات المستقرة الأجنبية يمكن أن يؤثر في قدرة البنك المركزي على التحكم بالسيولة وأسعار الفائدة والسياسة النقدية.
غير أن هذا الخطر قد يكون أقل نسبيًا في الخليج مقارنة بدول ذات عملات ضعيفة أو تضخم مرتفع، لأن معظم العملات الخليجية تتمتع باستقرار كبير وترتبط بالدولار أو تتحرك ضمن نظم نقدية مستقرة.
ليس مباشرة.
فالعملة الخليجية الموحدة تحتاج قرارات سياسية ونقدية ومالية واسعة، وتنسيقًا في السياسات والأنظمة، ولا يمكن اعتبار ترخيص Stablecoin في البحرين دليلًا على قربها.
لكن التكنولوجيا قد تفتح بابًا آخر أكثر واقعية.
فبدل أن تبدأ دول الخليج فورًا بإلغاء الريال والدرهم والدينار وإصدار عملة واحدة، قد تبدأ بإنشاء وحدة رقمية مشتركة للتسويات بين البنوك أو الشركات الكبرى.
وهنا تعود أهمية مشروع «عابر».
فالسعودية والإمارات اختبرتا بالفعل منذ سنوات إصدار وحدة رقمية مشتركة ومغطاة بالكامل تستخدم في تسويات البنوك في البلدين.
وهذا يعني أن فكرة «التكامل النقدي الرقمي الخليجي» قد تكون أسهل في التطبيق من فكرة العملة الموحدة التقليدية.
وقد نصل يومًا إلى مرحلة يشتري فيها التاجر السعودي من البحرين أو الإمارات أو قطر ويجري التسوية خلال ثوانٍ عبر شبكة خليجية موحدة، بينما تبقى العملات الوطنية كما هي.
أي أننا قد نحصل على جزء كبير من فوائد العملة الموحدة دون إلغاء العملات المحلية.
البنية الأساسية في الخليج قوية نسبيًا، لكن درجة الجاهزية تختلف من دولة إلى أخرى.
السعودية والإمارات لديهما تجربة «عابر»، والسعودية مشاركة في mBridge, والبحرين دخلت في تنظيم الStablecoin, والإمارات لديها كذلك تنظيمات لخدمات رموز الدفع والأصول الرقمية.
وهذا يدل على أن المنطقة لا تقف خارج التحول العالمي، بل تختبر عدة نماذج مختلفة.
لكن الجاهزية الحقيقية لا تتعلق بالتقنية وحدها.
هناك أسئلة أصعب:
من يحتفظ بالاحتياطيات؟
من يتحمل الخسارة إذا اختُرقت الشبكة؟
كيف تمنع غسل الأموال؟
كيف تُحمى بيانات المستخدم؟
كيف تتم استعادة الأموال إذا فُقدت المفاتيح الرقمية؟
وماذا يحدث لو طلب آلاف العملاء استرداد عملتهم المستقرة في اللحظة نفسها؟
وهذه الأسئلة هي التي تفسر لماذا تتحرك البنوك المركزية بحذر.
يمكن حماية الخادم، لكن حماية الثقة أصعب.
فالStablecoin الذي يفقد ثقة الناس قد يتعرض لما يشبه «السحب الجماعي على البنك».
وقد يصبح الخطر أكبر إذا كانت الاحتياطيات غير كافية أو يصعب تحويلها إلى نقد بسرعة.
كما توجد مخاطر الأمن السيبراني والاحتيال وغسل الأموال واختراق المحافظ والعقود الذكية.
وهناك أيضًا خطر اقتصادي أقل وضوحًا: البيانات.
فالجهة التي تدير شبكة الدفع تعرف أين يتحرك المال، ومتى، وبين من ومن.
ولهذا فإن البنية الرقمية للمدفوعات أصبحت جزءًا من السيادة الاقتصادية للدول، وليست مجرد خدمة تقنية.
التوجه العالمي أصبح واضحًا: التنظيم بدل المنع الكامل أو السماح الكامل.
الاتحاد الأوروبي وضع إطارًا تشريعيًا واسعًا للأصول والعملات المستقرة، وهونغ كونغ وسنغافورة طورتا أنظمة ترخيص خاصة، بينما تعمل بنوك مركزية كبرى على تجارب مرتبطة بالعملات الرقمية والتسويات الجديدة.
والدرس العالمي بسيط:
لا تترك أداة تشبه النقود تعمل خارج الرقابة، ولا تمنع تقنية قد تصبح جزءًا من النظام المالي القادم.
يمكن النظر إلى الموقف السعودي باعتباره نموذجًا متوازنًا.
فالمملكة لم تتأخر عن التقنية؛ بل دخلت مبكرًا جدًا في تجارب العملات الرقمية للبنوك المركزية عبر «عابر»، ثم واصلت الاختبارات المحلية، وانضمت إلى mBridge.
وفي الوقت نفسه لم تتعجل إطلاق عملة رقمية أو السماح بنموذج واسع قبل دراسة آثاره على البنوك والسيولة والسياسة النقدية.
وهذا النهج مهم لاقتصاد بحجم الاقتصاد السعودي.
فالدولة الأكبر ليست مضطرة دائمًا إلى أن تكون الأولى في إصدار كل منتج؛ لكنها تحتاج أن تكون الأسبق في الفهم، والأقوى في الاختبار، والأكثر استعدادًا عند اتخاذ القرار.
ربما لا تكون المسألة في النهاية: من يصدر أول Stablecoin؟
السؤال الأكبر هو:
هل تستطيع دول الخليج أن تبني شبكة مالية رقمية مشتركة قبل أن تبني كل دولة شبكة منفصلة؟
فإذا اتفقت البنوك المركزية الخليجية مستقبلًا على معايير مشتركة للهوية الرقمية، والتسوية، والاحتياطيات، والامتثال، وربط البنوك، فقد يصبح انتقال الأموال بين دول الخليج قريبًا في سهولته من انتقالها بين حسابين داخل الدولة الواحدة.
وهذا قد يخدم التجارة، والسياحة، والاستثمار، والشركات الصغيرة، والأسواق المالية، ويزيد من التكامل الاقتصادي الخليجي.
لذلك فإن خطوة البحرين ليست إعلانًا عن نهاية النقود التقليدية، ولا مقدمة مؤكدة لعملة خليجية موحدة.
إنها حلقة جديدة في تحول مالي بدأ الخليج الاستعداد له منذ سنوات.
والبحرين اليوم تدفع باب الStablecoin المنظم، والإمارات تطور أطرها الرقمية، والسعودية تمتلك تجربة مبكرة وعميقة في البنية النقدية الرقمية وتتحرك بمنهج الاختبار والحذر.
وفي الاقتصاد، قد لا يكون الفائز هو من يصدر العملة أولًا؛ بل من يبني النظام الأكثر ثقة، والأقل تكلفة، والأكثر أمانًا، والأوسع قبولًا.
فالمال يتغير شكله، لكن قاعدته لم تتغير منذ قرون:
الثقة أولًا… ثم تأتي التقنية.














