آخر تحديث: 27 / 8 / 2026م - 9:56 ص

صوتٌ صغير… وصدى كبير!!

عبد الله صالح الخزعل

في الأحساء، وداخل المشهد الرياضي الذي اعتدنا أن تتحرك فيه القرارات من أعلى إلى أسفل، خرج صوتٌ صغير ليقلب المعادلة. طفل في التاسعة من عمره، اسمه حسن، قدّم فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في جوهرها: أن يحمل قميص نادي الفتح أسماء مدن وقرى الأحساء. لم يكن حسن يبحث عن ضوء، ولا عن احتفاء، بل كان يرى بعين طفولته أن القميص يمكن أن يكون أكثر من لون وشعار، يمكن أن يكون خريطة مكان، وذاكرة ناس، وصوتًا للجميع.

التقط النادي هذا الصوت الصغير، وبدلًا من أن يمرّ عليه مرور المجاملة، أعطاه ما يستحقه: الإصغاء. وهنا يبدأ الصدى الكبير. فحين تصغي مؤسسة لفكرة طفل، فهي لا تمنحه قيمة فحسب، بل تعلن أن الإبداع لا يعرف عمرًا، وأن الانتماء الحقيقي يبدأ من التفاصيل الصغيرة التي يراها الأطفال قبل الكبار.

تحوّل القميص إلى مساحة اعتراف، إلى قطعة قماش تحمل أسماء المدن والقرى التي طالما بقيت في الظل، لتظهر فجأة على صدر اللاعبين، تُرى في المدرجات، وتدخل البيوت عبر الشاشات. لم يعد القميص مجرد زي رياضي، بل أصبح وثيقة هوية، تقول إن الأحساء ليست مدينة واحدة، بل نسيج واسع من المدن والقرى في أكبر واحة نخيل بالعالم. أصبح القميص من الأحساء ولكل الأحساء، كما أراد حسن تمامًا، وكما فهم النادي أن الانتماء لا يُبنى بالشعارات وحدها، بل بالاعتراف بالجذور.

هذه القصة تكشف درسًا جوهريًا: أن المؤسسات تكبر حين تُحسن الإصغاء، وأن المجتمعات تتماسك حين تُرى كل أجزائها، وأن الأفكار الصغيرة قد تحمل في داخلها قدرة كبيرة على إعادة تشكيل الوعي العام. نادي الفتح لم يغيّر تصميمًا فحسب، بل غيّر طريقة نظره إلى جمهوره، إلى مكانه، إلى دوره الاجتماعي. لقد فتح بابًا كان مغلقًا، بابًا يقول إن المبادرة يمكن أن تأتي من طفل، وإن المؤسسة يمكن أن تتجدد بفكرة صغيرة إذا امتلكت شجاعة التنفيذ.

أما حسن، فقد تلقّى درسًا تربويًا لا يُنسى: أن صوته مسموع، وأن خياله له قيمة، وأن المجتمع يمكن أن يتغيّر بفكرة واحدة حين تجد من يؤمن بها. هذا الدرس لا يخص حسن وحده، بل كل طفل يسمع القصة، وكل مؤسسة تقرأها، وكل مجتمع يريد أن يرى نفسه في تفاصيله الصغيرة قبل مظاهره الكبيرة.

وهكذا، يصبح صوت حسن الصغير صدى كبيرًا يتردد في الملعب، وفي القرى، وفي الوعي العام. صدى يقول إن الهوية ليست قرارًا إداريًا، بل نبضًا جماعيًا يبدأ أحيانًا من طفل يرى ما لا يراه الكبار. صدى يذكّرنا بأن الأفكار العظيمة لا تحتاج إلى أعمار كبيرة، بل إلى عين ترى، وصوت يجرؤ، ومجتمع يمتلك شجاعة الإصغاء.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
ياسر عبدالوهاب بوصالح
[ الأحساء - السعودية ]: 26 / 8 / 2026م - 4:26 م
مقال الأستاذ عبدالله جاء ثريًّا كالعادة، يفتح أكثر من نافذة ويمنح القارئ فرصة للتأمّل في ما وراء الحدث. ومن أجمل ما فيه تلك اللمحة التي سمّاها «صوتٌ صغير وصدى كبير»، وهي تسمية موفّقة تُعيد الاعتبار للأصوات التي كثيرًا ما تُهمَل لأنها لا تأتي من منصّات عالية. والحقّ أن القرآن الكريم يعلّمنا منذ البدء الإصغاء إلى الصوت الصغير؛ فأوّل معلّمٍ للإنسانية كان غرابًا، والهدهد كان سفيرًا فوق العادة، ونملةٌ واحدة غيّرت مسار جيشٍ كامل. فالكبرياء والاستنكاف عن التعلّم من الغير — أيًّا كان — ليسا من أخلاق الهداية، وقد أكّد أهل البيت عليهم السلام هذا المعنى؛ المعنى؛ إذ قال الإمام الصادق عليه السلام: «تعلّموا من الديك خمس خصال: محافظته على أوقات الصلاة، والغيرة، والسخاء، والشجاعة، وكثرة الطروقة». أمّا الزاوية الأخرى التي لامسها المقال، فهي مخاطبة النفس بما تحبّ؛ وليس من حبٍّ أصدق من حبّ الإنسان لوطنه وترابه. لذلك كان قرار نادي الفتح لافتًا حين احتضن فكرة الطفل، فحوّل القميص من رمزٍ مناطقي ضيّق إلى مساحةٍ واسعة تُغازل كل بقعةٍ من الأحساء.
2
ياسر عبدالوهاب بوصالح
[ الأحساء - السعودية ]: 26 / 8 / 2026م - 4:28 م
الجزء الثاني من التعليق :
نعم، نحن بحاجة إلى مثل هذه المبادرات التي تعزّز الانتماء، وتُنمّي روح الإخاء، وتُشعر كل فرد بأنّه جزءٌ من الهوية لا هامشًا على أطرافها. هكذا تُبنى المجتمعات، وهكذا يكبر الصدى حين يُصغى للصوت الصغير.