آخر تحديث: 27 / 8 / 2026م - 9:56 ص

الوعي حين يصنع الإنسان ليصنع محيطه

محمد يوسف آل مال الله *

لا تكن ابنَ بيئتك… كن صانعَها!

ليس الإنسان جزيرةً معزولة عن محيطه؛ فهو يتأثر بمَنْ حوله، بما يسمع ويرى ويخالط ويعتاد. فالبيئة الإيجابية قد تزرع فيه الأمل والطموح، بينما قد تغذي البيئة السلبية التشاؤم والإحباط. لكنّ السؤال الأهم:

هل نحن أسرى لبيئتنا، أم نستطيع أن نصنع بيئةً أفضل؟

هنا يأتي دور الوعي.

يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد: 11]، فالوعي يبدأ من الداخل؛ أن يدرك الإنسان ما الذي يؤثر فيه، وأن يميز بين ما يبنيه وما يهدمه، وبين الصحبة التي تضيف إلى حياته والصحبة التي تستنزفه. فالإنسان قد لا يختار كل الظروف التي تحيط به، لكنّه يستطيع أن يختار موقفه منها، وما يسمح له بأن يستقر في داخله.

وقد روي عن أمير المؤمنين الإمام علي : ”صحبةُ الأخيارِ تكسبُ الخير“؛ وهي عبارة تختصر أثر الصحبة في تشكيل الإنسان. فمن نرافقهم باستمرار يتركون شيئًا من أفكارهم ومشاعرهم وسلوكهم فينا، كما نترك نحن أثرًا فيهم.

وهذا لا يعني الوعي أن نهرب من كل بيئة سلبية، بل أن نمتلك القدرة على اختيار ما يدخل إلى نفوسنا، ومقاومة ما لا نريد أن يصبح جزءًا من شخصياتنا.

وإذا كانت السلبية تنتقل بين الناس، فإنّ الإيجابية تنتقل أيضًا. كلمة طيبة قد ترفع إنسانًا، وتشجيع صادق قد يعيد إليه ثقته بنفسه، وموقف متسامح قد ينهي خصومة، وفكرة واعية قد تغير مسار حياة.

يقول تعالى:

﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الإسراء: 53].

فلماذا ننتظر دائمًا أن نجد البيئة الإيجابية؟

لماذا لا نكون نحن من يصنعها؟

في البيت، كن مصدرًا للطمأنينة.

وفي العمل، كن باعثًا على التحفيز.

وفي الصداقة، كن سندًا لا عبئًا.

وفي المجتمع، كن ممن يبني ولا يهدم.

ولعل أجمل ما يفعله الوعي أن ينقل الإنسان من سؤال:

ماذا فعل بي محيطي؟

إلى سؤال أعمق:

ماذا أفعل أنا في محيطي؟

فقد لا تستطيع تغيير كل مَنْ حولك، لكنّك تستطيع أن تكون أنت بداية التغيير.

لا تكن مجرد ابنٍ لبيئتك… كن صانعًا لها.

فإنسانٌ يتغير بوعي، قد يغيّر محيطًا، ومحيطٌ يتغير قد يصنع إنسانًا جديدًا.

وهكذا يبدأ التغيير من وعي فرد… لينتقل أثره إلى أسرة، ثم مجتمع، ثم حياة كاملة.