آخر تحديث: 24 / 8 / 2026م - 2:26 ص

هذا المقال يتبع ما قبله..

أمجد القواعين

إن كنت تريد أن تقتل فكرتك بكفاءة عالية وبدون أي مجهود يُذكر، فأنصحك بطريقة مضمونة: تحدث عنه بحماس لكل من يسمع. الأهل، والأصدقاء، والزملاء، والحلاق، وسائق الأوبر، والشخص الجالس بجانبك في انتظار دوره في العيادة، وإن سنحت لك الفرصة فالسيارة المجاورة في الإشارة الحمراء. هذا كل ما تحتاجه. الفكرة ستموت وحدها بعدها.

”تنويه: هذا المقال يتبع ما قبله..“

السبب أن دماغك، ذلك الجهاز الغبي الذكي المزعج، لا يفرق بين ”سأفعل“ و”فعلت“. حين تتحدث عن مشروعك بحماس، دماغك يسمع ”أنجزت“ ويحتفل، يقطع الكيكة ويفرقع البالونات ويغني. وحين تجلس لتنفذ فعلاً، يأتيك بعيون ناعسة ويقول ”هذا؟ خلصنا منه من زمان“. أنت لم تفقد الشغف. أنت دفعته مقدماً على إنجاز لم يحدث. وهذا، بكل المقاييس، صفقة خاسرة.

والأكثر مهارةً في قتل المشاريع هو التخطيط الطويل المصحوب بالحديث الدافئ عنها. تجلس مع الناس وتشرح الفكرة وتتخيل النجاح وتتوقع التحديات وتحل مشاكل ما حدثت بعد. وكل هذا يُحسب على رصيد ”الإنجاز“ في دماغك، حتى تبدأ التنفيذ الفعلي وتجد إنك عشت المشروع مرتين: مرة في الاجتماعات بلا مشاكل تقنية ولا ضيوف يتأخرون ولا مونتاج يأخذ ثلاثة أيام، ومرة في الواقع بكل ما فيه. والمشكلة إن المرة الأولى كانت أجمل لأن الخيال لا تضيع فيه المومريات.

أما أنا شخصياً، فقد اكتشفت هذا بطريقة لم أطلبها. حين عملنا على بودكاست ”كناش“ قرابة سنة كاملة من التصوير وقبله، اجتماعات تلد اجتماعات، وجلسات فلسفة تنتج أفكاراً تُضاف على الأفكار اللي على الأفكار. وفي كل مكان كنت أشرح البودكاست بحماس لا يليق بإنسان عاقل، حتى وصلت لمرحلة أشعر إنه لو كان عندي بودكاست عن الصمت لكنت أتكلم عنه بصوت عالٍ في الأماكن العامة. ثم بدأ البث الفعلي. وجاء ذلك الشعور: ”وش هالبيض هذا؟“ أنا الذي كنت على استعداد أن أصور في ورديّة ليلية!، ماذا حدث لي؟!.

وهنا أتوقف لأخاطب نوعاً محدداً من الناس: من يؤمنون بأن الحديث عن المشروع ”يبني الزخم“ و”يجذب الطاقة الإيجابية“. أنتم، بكل احترام، تصفون دقيقاً لا يشبع وتسمونه خبزاً. الزخم الحقيقي يُبنى بالعمل لا بالحديث عنه، والطاقة الإيجابية الوحيدة المضمونة هي طاقة من ينام مبكراً ويصحو ويبدأ. الباقي تسويق ذاتي لكسل مُقنَّع.

الحل الذي وجدته بالاضطرار لا بالحكمة هو أن تضع على رأسك نظام الزام ومساءلة يجبرك على الاستمرار حين ينطفئ الشغف، لأنه سينطفئ وهذا ليس تشاؤماً بل رياضيات. أنا وضعت مديرة برنامج لكناش، وهو اعتراف موثق بأني لا أثق بنفسي حين يغيب الحماس. ولو قرأت مديرة البرنامج هذا المقال ستبعث لي إيموجي سكين بلا تعليق لأن السكين يكفي. وعلي طارق سيقفل عليّ باب المكتب ويطفئ المكيف ويضع كرسياً أمام الباب احتياطاً. وهذا من أفضل القرارات، لأن المسؤولية أمام الآخرين أقوى من المسؤولية أمام النفس، خصوصاً حين تكون النفس تريد تنام وتقول ”الشغف راح، بكرة نصور إن شاء الله“.

صورت - طعش - حلقة من كناش، وستذاع قريبًا غير الذي تم نشرها، وأنا في كثير منها لم يكن عندي من الشغف ما يكفي لإشعال شمعة واحدة. لكن الحلقات موجودة والناس تشاهدها. وهذا الدرس الذي ما طلبته: الشغف ليس شرطاً للجودة، والاحتراف يملأ الفراغ اللي تركه الحماس، وأحياناً يملؤه بشكل أفضل.

أفضل ما صنعته في حياتك لم يصنعه شغفك. صنعه التزامك حين غاب الشغف، التزم طال عمرك. والفرق بين من ينجز ومن يتحدث عن الإنجاز هو هذا بالضبط، لا أكثر ولا أقل. وإن لم تصدق، اسأل نفسك: كم فكرة تحدثت عنها ولم تُنجز؟ ثم اسكت.