آخر تحديث: 24 / 8 / 2026م - 2:26 ص

قرار ترمب: خنق اقتصاد إيران الرمادي

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة مال

السؤال: ماذا يعني قرار الرئيس الأمريكي ترمب خنق الاقتصاد الإيراني؟ وماذا سيقول وزير خزانته يوم غدٍ الأثنين توضيحاً للإجراءات التي ستتخذ؟ والأهم من ذلك ما تأثير ذلك على اقتصادات الدول المجاورة لإيران؟

تتشارك إيران حدوداً برية وبحرية مع نحو خمس عشرة دولة، مما يمنح موقعها الجيواقتصادي شبكة معقدة من الممرات التي تجعل محاولة «خنق الاقتصاد الإيراني» عبر سياسات الضغط الأقصى مسألة ذات جدوى مشروطة وليست حتمية مطلقاً. فعلى الصعيد العملي، تحول الطبوغرافيا الممتدة والروابط الأمنية والتجارية الوثيقة مع دول الجوار—مثل العراق وتركيا وجمهوريات آسيا الوسطى—دون تحقيق إغلاق تام لنشاطها التجاري؛ إذ يؤدي ضعف إنفاذ العقوبات على الحدود الرخوة إلى فتح مسارات بديلة لإعادة التوجيه التجاري والتهريب، وهو ما يضمن استمرار الحد الأدنى من شريان الحياة الاقتصادي، وإن كان ذلك يقترن بتكاليف لوجستية مرتفعة وهوامش ربح ضئيلة.

ولفهم قدرة هذا الهيكل الاقتصادي على الامتصاص والمقاومة، تتجلى الصورة الكلية من خلال بيانات صندوق النقد الدولي «IMF» والبنك الدولي للعامين 2024-2025؛ إذ يُقدر الناتج المحلي الإجمالي لإيراني بحسب تعادل القوة الشرائية «PPP» بنحو 1.75 تريليون دولار «مقابل ناتج اسمي يتحرك عند حدود 340 إلى 400 مليار دولار وفقاً لتقلبات سعر الصرف»، في حين يبلغ متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي وفق تعادل القوة الشرائية نحو 17,100 دولار سنوياً. وعلى صعيد المكونات والأنشطة الاقتصادية، يهيمن قطاع الخدمات على المساهمة الأكبر بتمثيله أكثر من 50% من الناتج الإجمالي، يليه قطاع الصناعة والتعدين «الذي يشمل النفط والغاز والصناعات التحويلية» بنسبة تقارب 38%، بينما يسهم القطاع الزراعي بنسبة تتراوح بين 8% و 10%. وعلى الرغم من مرونة النمو المتركز في القطاعات غير النفطية، تظهر المؤشرات الكلية اختلالات هيكلية ضاغطة، تتمثل في معدلات تضخم مرتفعة ومتسارعة تتجاوز 32% إلى 43%، ومعدل بطالة رسمي يتذبذب بين 7.7% و 9.5% «مع ارتفاعه بشكل ملحوظ بين الفئات الشبابية والخريجين»، مسجلاً تباطؤاً حاداً في النمو الحقيقي للناتج الإجمالي إلى ما دون 1% تحت حدة الضغوط المستجدة.

تتوزع الآثار الناجمة عن التشديد الصارم للقرارات الأمريكية على مستويين أساسيين، يتصدرهما الاقتصاد الإيراني المحلي باعتباره المتضرر الأكبر هيكلياً. فقد أظهرت التحليلات التقييمية لسياسات الضغط الأقصى أن انقطاع تدفقات النقد الأجنبي يؤدي إلى تآكل حاد في الدخل الحقيقي للفرد يتبعه انخفاض متواصل في القوة الشرائية للعملة المحلية، مما يولد موجات تضخمية مزمنة تضعف القطاعات الإنتاجية غير المرتبطة بالطاقة. وعلى الجانب الآخر، يقع الشركاء التجاريون المباشرون الذين يعتمدون على الطاقة الإيرانية أو التبادلات عبر الحدود في خط المواجهة الأول للضغوط المالية؛ إذ يواجهون - والصين في مقدمتهم - مخاطر الامتثال للعقوبات الثانوية التي تفرضها واشنطن عبر هيمنتها على نظام المقاصة بالدولار وشبكات المعاملات المصرفية الدولية.

أما بالنسبة لاقتصادات دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الست، فإن أثر التصعيد يتشكل عبر ثلاث قنوات رئيسية تنطلق من قناة التجارة الخارجية والخدمات اللوجستية، حيث يرفع الخطر الجيوسياسي في الممرات الحساسة ك مضيق هرمز من تكاليف التأمين البحري ورسوم الشحن العالمي للسلع. وعلى مستوى التدفقات المالية وأسواق الطاقة، تلتزم المصارف الخليجية بمعايير الامتثال الدولية المعتمدة من مجموعة العمل المالي «FATF» تجنباً للمخاطر العابرة للحدود، في حين تتأثر أسعار النفط العالمية بمستويات المعروض الإيراني المتبقي. وينعكس ذلك بدوره على القناة الثالثة المتعلقة بمناخ الاستثمار وثقة الأسواق، حيث تدفع حالة عدم اليقين الإقليمي إلى إعادة تسعير علاوات المخاطر للأصول الكبرى، وتؤثر مؤقتاً على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الموجهة للمشاريع التنموية طويلة الأجل.

وفي ظل هذه الضغوط الهيكلية، يبرز دور «الاقتصاد الرمادي» الإيراني ”الزئبقي“ —المتمثل في الشبكات غير الرسمية، ونشاط المقايضة السلعية، وعمليات نقل النفط بطرق غير معلنة عبر البحر—كعامل امتصاص فرعي يخفف من أثر الصدمات المباشرة ويحول دون الانهيار المعيشي الفوري. غير أن هذا الصمود الظاهري يحمل في طياته آثار تدميرية حتى قبل تطبيق قرارات ترامب الأخيرة؛ إذ يؤدي تضخم القطاع الموازي إلى تآكل الإيرادات الضريبية الرسمية للدولة، وتفشي الفساد المالي، وفقدان السيطرة على السياسة النقدية وسعر الصرف. وبذلك تتحول قدرة الاقتصاد الرمادي من أداة لمواجهة العقوبات والحصار الاقتصادي الأمريكي إلى آلية تعمق هشاشة الاقتصاد الرسمي، وتحوله إلى نموذج قائم على إدارة الأزمات وتجنب الانهيار بدلاً من تحقيق النمو الاقتصادي المستدام.

أما بعد تطبيق قرارات ترامب لمحاصرة إيران محاصرة اقتصادية تامة، فتُظهر التحليلات الاقتصادات الكلية الصادرة عن معهد بيترسون للاقتصاد الدولي «PIIE» ومعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى أن فاعلية قرارات ترامب في خنق الاقتصاد الرمادي الإيراني لا تقاس بالقدرة على إعدامه كلياً، بل بمدى نجاحها في جعل «علاوة المخاطرة وتكلفة المعاملات» «Transaction Costs» غير قابلة للاستدامة مالياً، عبر تقويض الشبكات الموازية—بتجفيف حسابات شركات الواجهة واستهداف ناقلات الظل وتضييق الخناق على شبكات الصرافة غير النظامية— مما يحرم الاقتصاد من مقومات ”المشيمة“ الحيوية التي طالما وفرت السيولة لمواجهة الصدمات الهيكلية. وفي حين يستمر هذا القطاع الموازي في أداء دور ”صمام الأمان“ الظاهري لتجنب الانهيار السريع، فإن تضخمه المزمن يؤدي بالضرورة إلى إعادة تشكيل الهيكل الاقتصادي نحو نموذج «الضمور الذاتي المستمر»؛ حيث تتآكل القاعدة الضريبية، ويتفشى الفساد المالي، وتفقد السلطات النقدية أدوات التحكم في التضخم وسعر الصرف. وبذلك تتجاوز أبعاد الإنفاذ الصارم للعقوبات الأمريكية مجرد كونها أداة ضغط خارجي، لتصبح آلية تسرّع محاصرة الاقتصاد الرمادي وتحويله من أداة للبقاء إلى متطلب استنزاف داخلي يجرد الدولة من مقومات التحول التنموي والاستقرار الاقتصادي طويل الأجل.

كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى