آخر تحديث: 23 / 8 / 2026م - 1:18 ص

حديث أسهر ليلي!!

ياسر بوصالح

«إن الدالُّ على الخير كفاعله» [1]  حديثٌ نبويٌّ عظيم، من أربع كلماتٍ قصيرة، نحفظه منذ صغرنا، وكان كفيلًا بأن يُسهِر ليلتي حين طرق ذاكرتي هذه الليلة فجأة.

ومع هذا الإيجاز المدهش، تتوالد أسئلة كثيرة، كأن الحديث بابٌ صغير يفتح على معانٍ واسعة.

أول هذه الأسئلة:

لماذا اختار النبيُّ الأعظم ﷺ لفظ «الدالّ» تحديدًا، ولم يقل: الموجّه، أو المرشد، أو المحفّز؟

ولعل في اختيار لفظ «الدالّ» دلالةً على اتساع دائرة التسبب في الخير؛ فالدلالة قد تكون قولًا، أو فعلًا، أو إشارةً، أو قدوة، وقد تكون مباشرةً أو غير مباشرة.

فليس من الضروري أن تكون صاحب المشروع حتى تكون شريكًا فيه، ولا أن تضع الحجر حتى تكون شريكًا في بناء المسجد، ولا أن تحمل المال حتى تكون سببًا في وصوله إلى مستحقه.

ثم يبرز سؤال آخر:

ما الفرق بين من يدلّ على الخير وهو يعمله، ومن يدلّ عليه وهو مقصّر فيه؟

الأول يدلّ من موقع القدوة، والثاني قد يدلّ من موقع الصدق والاعتراف بالنقص، ولا ينبغي أن نجعل تقصير الدالّ في نفسه مانعًا من دعوته إلى الخير؛ فالإنسان قد يعرف الصواب ولا يبلغه، وقد يحب الخير ولا يقدر عليه، وقد ينصح غيره بما يعجز هو عن بلوغه.

غير أن الفرق يبقى في الأثر؛ فحين يجتمع القول والعمل تصبح الدلالة أعمق، لأن القدوة تضيف إلى الكلمة قوةً لا تملكها الكلمة وحدها.

ومثال ذلك:

رجلٌ يقول بحرقة: «ليتنا نبني مسجدًا في تلك المدينة الخالية من المساجد…»

لا يملك مالًا، لكنه يملك شرارة الفكرة.

كلمته تتحول إلى مشروع، والمشروع إلى بناء، والبناء إلى مئذنة، والمئذنة إلى مسجد يعمّره الناس.

هذا الرجل — وإن لم يضع حجرًا واحدًا — كان سببًا في أصل الخير.

وهنا تظهر قيمة «الدالّ»؛ فالإنسان ليس دائمًا فاعلًا منفردًا في صناعة الخير، بل قد يكون حلقةً في سلسلة طويلة من الأسباب.

قد يعطي المال، وآخر يقترح المشروع، وثالث يبحث عن المحتاج، ورابع ينفذ، وخامس يشجع، وسادس يفتح بابًا لم يكن مفتوحًا.

وفي النهاية يصل الخير إلى الناس، فمن صنع الأثر بيده ليس هو بالضرورة وحده الذي صنعه في الحقيقة.

ثم يأتي سؤال جوهري:

هل يحتاج الدالّ على الخير إلى نية خاصة، أم يكفي مجرد وقوع الأثر؟

هنا ينبغي التفريق بين أمرين: وقوع الخير بسبب الإنسان، واستحقاقه أجر ذلك الخير، فالنية في ميزان العمل ليست أمرًا هامشيًا، وقد قال النبي الأعظم ﷺ «إنما الأعمال بالنيات» [2] ، لكن الإنسان قد يفعل خيرًا، ثم يكتشف بعد ذلك أن أثر فعله تجاوز ما كان يتوقعه، فيكون قد فتح بابًا لم يكن يعلم إلى أين يؤدي.

وقد يقول كلمة عابرة، فتوقظ في إنسان آخر فكرةً عظيمة، أو يشير إلى محتاج، فتصل إليه صدقة، أو ينشر علمًا، فيبقى أثره في نفوس لم يعرفها.

وهنا تتسع دائرة الدلالة، ويبقى للنية الصادقة أثرها في رفع العمل وتزكيته.

ويليه سؤال آخر لا يقل أهمية:

هل ينال الدالّ أجر الفاعل لمجرد كلمة تحفيزية، أم أن الأجر الحقيقي في نهاية العمل؟

الأصل أن الحديث يقرر للدال فضلًا عظيمًا، وأنه ينال من أجر الخير الذي دلّ عليه، لكن هذا لا يعني أن تفاصيل أجره مساوية لتفاصيل أجر المباشر في كل شيء.

فمن بذل المال، وتحمل الجهد، وصبر على البناء، واحتسب، وآمن بالغيب، له أعماله وتفاصيل أجره التي لا يلزم أن تتطابق مع أجر من دلّه.

ومع ذلك، قد تكون كلمة صادقة أشعلت المشروع كله.

وقد تكون الشرارة الأولى، في بعض الأحيان، أعظم من أن تُقاس بحجمها؛ لأن النار التي أشعلتها قد امتدت إلى أماكن لم تصل إليها يد صاحب الشرارة.

ثم استوقفتني كلمة أخرى في الحديث:

لماذا قال: «كفاعله»؟

لماذا لم يقل: «له أجر فاعله»؟

ولعل في لفظ «كفاعله» معنىً أعمق من مجرد إثبات الأجر؛ فهو يقرّب الدالّ من الفاعل في أصل الفضل، ويكشف عن أن صناعة الخير لا تنحصر فيمن باشر العمل بيده، فالفاعل قد يكون صاحب المال، وقد يكون صاحب الجهد، وقد يكون صاحب الفكرة، وقد يكون صاحب الكلمة التي فتحت الطريق.

وهنا تتغير نظرتنا إلى مفهوم الإنجاز نفسه.

فنحن كثيرًا ما نقيس الإنسان بما فعل بيده، بينما قد يكون أعظم ما فعله الإنسان شيئًا لم يفعله بيده أصلًا، وإنما جعل الآخرين يفعلونه.

وهذه واحدة من أجمل الدلالات التي يمكن أن نستخرجها من الحديث.

ثم سؤال آخر:

لماذا قال النبي الأعظم ﷺ: «الخير» ولم يقل: «الثواب»؟

لعل اختيار لفظ «الخير» يفتح المعنى على دائرة أوسع؛ فالخير يشمل النفع، والإصلاح، والعلم، والصدقة، والهداية، وكل ما يعود بالنفع على الإنسان في دنياه وأخراه.

أما «الثواب» فهو ثمرة من ثمار العمل، وليس العمل نفسه.

وكأن الحديث يريد أن يلفت نظرنا أولًا إلى صناعة الخير، قبل أن نسأل عن المكافأة التي سنحصل عليها.

ثم يبرز سؤال لا يقل أهمية:

هل يشترط أن يكون الدالّ هو نفسه من أهل الكمال حتى يدلّ على الخير؟

لا أظن أن هذا هو المقصود.

فالإنسان قد يكون مقصرًا في جانب، لكنه يعرف الحق في جانب آخر.

وقد يكون عاجزًا عن فعل الخير، لكنه قادر على أن يفتح بابه لغيره.

ولذلك لا ينبغي أن نجعل نقص الإنسان حجةً لحرمان الآخرين من نصيحته.

نعم، تظل القدوة أقوى من الكلمة، والعمل أبلغ من القول، لكن عجز الإنسان عن الكمال لا ينبغي أن يمنعه من الدلالة على الخير الذي يعرفه.

ثم تأتي الجهة الأخرى من الصورة:

إذا كانت الدلالة على الخير تفتح بابًا للأجر، فهل تعمل القاعدة في الاتجاه المعاكس؟

هنا يصبح الأمر أكثر خطورة.

فالإنسان قد لا يباشر الشر بيده، لكنه قد يكون سببًا فيه.

قد ينشر فكرةً فاسدة، أو يزين ظلمًا، أو يفتح طريقًا لمعصية، أو يشجع إنسانًا على ما يضره، ثم يتسع أثر ما قاله حتى لا يعود قادرًا على إيقافه.

ولهذا جاء في الحديث «ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه» [3] ،

فكما يمكن للخير أن يتكاثر عبر الدلالة، يمكن للشر كذلك أن يتكاثر عبرها.

وهنا تظهر مسؤولية الكلمة بصورة مختلفة؛ فالكلمة ليست مجرد صوت ينتهي حين يخرج من الفم، فقد تصبح سببًا، والسبب قد يصبح أثرًا، والأثر قد يتحول إلى عادة، والعادة قد تتحول إلى حياة كاملة.

وهكذا لا يعود الحديث مجرد ترغيب في فعل الخير، بل يصبح — إذا تأملناه جيدًا — حديثًا عن مسؤولية الإنسان عن الأثر الذي يصنعه في الآخرين.

وهنا خطر لي سؤال آخر:

ماذا لو كان الدالّ على الخير غير مسلم؟

ماذا لو دلّ إنسانًا مسلمًا على عملٍ صالح، أو كان سببًا في إنشاء دارٍ للأيتام، أو عرّفه بمحتاج، أو فتح له طريقًا إلى علمٍ نافع؟

هل يتوقف الخير عند هوية من دلّ عليه؟

لا أملك أن أحكم له بما عند الله، فذلك إليه سبحانه، لكنني أملك أن أعترف بإنسانيته، وأن أقدّر الخير الذي كان سببًا فيه، وربما هنا تتسع دلالة الحديث أكثر؛ فالدالّ على الخير قد يختلف عنك في الدين، لكنه لا يختلف عنك في إنسانيته.

فالخير لا يسأل دائمًا: من أنت؟ بل يسأل: إلى أين أوصلتني؟

قد لا تملك المال، لكنك تملك فكرة.

وقد لا تملك القدرة على تنفيذ المشروع، لكنك تستطيع أن تدل عليه.

وقد لا تستطيع أن تصل إلى كل محتاج، لكنك تستطيع أن تعرفه بمن يستطيع.

وقد لا تستطيع أن تعلم الناس جميعًا، لكنك تستطيع أن تفتح لهم باب العلم.

وفي المقابل، قد لا تقتل بيدك، لكنك تستطيع أن تحرض.

وقد لا تظلم بنفسك، لكنك تستطيع أن تجعل الظلم يبدو عادلًا.

وقد لا تصنع الشر، لكنك تستطيع أن تدلّ عليه.

ومن هنا يصبح الإنسان أكبر من أفعاله المباشرة؛ لأنه قد يكون سببًا في أفعال لا تنتهي عند حدود يده.

ولعل هذا هو السر الجميل في الحديث:

أن أثر الإنسان قد يتجاوز قدرته، فالذي فعل الخير بيده له أجره، والذي دلّ عليه له من أجره، والذي كان سببًا في وصوله إلى الناس لم يضع أجره عند الله.

لكن ذلك لا يعني أن الجميع متساوون في كل تفاصيل الأجر؛ فلكل واحد نصيبه من نيته وعمله وجهده واحتسابه.

إنما المعنى الأجمل أن الخير لا يتوقف عند صاحبه الأول.

فقد تبدأ القصة بكلمة.

والكلمة تصبح فكرة.

والفكرة تصبح مشروعًا.

والمشروع يصبح عملًا.

والعمل يصبح أثرًا.

والأثر قد يستمر بعد أن ينسى الناس من قال الكلمة الأولى، وهنا أفهم الحديث بصورة مختلفة عن الصورة التي حفظناها منذ صغرنا، «الدالّ على الخير كفاعله» ليس مجرد وعدٍ بالأجر لمن شجّع غيره على فعل الخير، بل تذكير بأن الإنسان قد يترك في الحياة أثرًا أكبر بكثير من حدود قدرته المباشرة.

فليس المهم دائمًا أن تكون أنت من فعل، بل أن تكون سببًا في أن يُفعل الخير.

وربما لهذا كان من أجمل ما يستطيع الإنسان أن يتركه خلفه:

فكرةً نافعة، أو كلمةً صادقة، أو طريقًا إلى خير، أو إنسانًا دلّه على ما ينفعه.

فقد ينتهي العمل، وينتهي صاحبه، ويبقى الأثر.

ويبقى معه صاحب الكلمة الأولى… دالًّا على الخير كفاعله.

[1]  سنن الترمذي ج 5 ص 41

[2]  [2]  صحيح البخاري ج 1 ص 2

[3]  مسند احمد بن حنبل ج 2 ص 397
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
عبدالله صالح الخزعل
22 / 8 / 2026م - 5:32 م
الأستاذ العزيز ياسر..

مقالك هذا يبرهن على أن الكلمة حين تُمسك بيد الحديث النبوي تتحول إلى مفتاحٍ يفتح أبوابًا لم نكن نتصوّرها. لقد أخذتَ عبارة قصيرة نحفظها منذ الطفولة، وأعدتَ صياغة معناها في أفقٍ واسع، حتى جعلتنا نرى أن «الدالّ» ليس مجرد لفظ، بل رؤية متكاملة لمسؤولية الإنسان عن أثره في الآخرين. إنها قراءة استثنائية تُعيد الحياة إلى نصوصٍ اعتدنا سماعها دون أن نتوقف عند عمقها، وتكشف أن وراء كل كلمة من كلمات النبي عليه وعلى آله افضل الصلاة والسلام عوالم من المعاني تنتظر من يوقظها.
فشكرًا لك على هذا الإبداع الذي يجعلنا نقرأ الحديث بعيون جديدة، ونشعر أن الخير لا ينتهي عند الفعل، بل يمتد مع من دلّ عليه.