آخر تحديث: 23 / 8 / 2026م - 1:18 ص

أكتب… ويومًا ما سيقرأ الآخرون

المهندس أمير الصالح *

مقدمة

الأمم والمجتمعات التي لا يكتب أبناؤها ولا يدونون أعمالهم وخلجاتهم وملاحظاتهم واستكشافاتهم وتجاربهم وخبراتهم وفنونهم، حتمًا ستندثر مع تقادم الأزمان آثارهم، ولن يوجد ما يستدل به على وجودهم وبصماتهم في هذه الدنيا.

كل علوم الآثار تبحث عن المخطوطات والمنحوتات والجداريات القديمة لمعرفة المحتوى العلمي والأدبي المكتوب عند الأقوام والأمم الغابرة. فالكتابة لم تعد مجرد مهارة لإيصال فكرة أو للتعبير عن مشاعر أو سرد قصة كما كنا ندرس قديمًا بالمدارس الابتدائية؛ بل أصبحت الكتابة واحدة من أقوى وأرزن الطرق لترك أثر وبناء مخطوط وصنع أصل واقعي ورقمي يضاعف من قيمة الكاتب الوجودية مع الوقت إن أحسن وأجاد ما يكتبه وينشره من محتوى ليفيد به.

حوار

نظرًا لطغيان السلوك الرأسمالي في معظم مناحي الحياة، أضحت كل مفردة لغوية تعني نشاطًا بشريًا خاضعة لجني المال ولعمليات الجمع والطرح بناءً على المال والأعمال وليس على أي حسابات أخرى. ولذا يرى البعض أن المعلومة اقتصاد، والمعرفة اقتصاد، والحديث للفضفضة اقتصاد، وحتى مشاركة الخريطة اقتصاد، والماء اقتصاد، والموقع اقتصاد. والآن حتى الكتابة تُصنَّف على أنها اقتصاد. ربما ذهب البعض إلى أن أنجع وأرزن الطرق للدخول إلى النوع الجديد من الروافع الاقتصادية وزرع البصمة الدائمة والأثر النافع هو المحتوى الكتابي إلى جانب المحتوى الإعلامي، سواء الرقمي أو السينمائي؛ فإذا اعتبر الاقتصاديون أن الأصول الجديدة للكتابة هي: عدد المتابعين والمتأثرين بوسائل التواصل الاجتماعي، والكشف عن السمة الشخصية للكاتب وأفكاره واهتماماته، واكتساب الملكية الفكرية لما يتم كتابته، وصناعة المحتوى القوي والمدقق علميًا والهادف لما يكتبه الكاتب، فإن الكتابة بالفعل أضحت مدخلًا لخلق رافعة اقتصادية مهمة للبعض. ولعل من يتابع بعض التغريدات يلاحظ ردود الفعل على الأسواق بعد كتابة بعض التغريدات.

‏هذه الأصول الجديدة كالكتابة المميزة والمعلومة الرقمية قابلة للزيادة والنمو، ويمكن أن تستمر في الإدرار للكاتب ماديًا ومعنويًا، والمزيد من تضخيم القيمة حتى وإن كان الكاتب تحت التراب «أطال الله في أعمار الجميع».

هل الكتابة مهمة الآن؟

قديمًا كانت الكتابة تحدث بين النبلاء والطبقات المترفة، ولاحقًا أخذ الجميع يستخدمها بعد انتشار التعليم وأدوات الكتابة. وحديثًا دخل الذكاء الاصطناعي على الخط وأصبح الكثير من الجيل الصاعد يلجأ إليه ويعتمد عليه ويهمل تطوير مهارات عقله وتخصيب خياله وتنمية مهاراته. ولكن سواء أكان الأمر حديثًا أم قديمًا، فالأمر في عالم المال والأعمال انعكس على أمور عدة ويعاد تشكيله ليتخطى الروافع المالية التقليدية من الأصول المادية الملموسة مثل: ‏العقارات، والمصانع، والآلات، ورأس المال إلى صناعة المعرفة وصناعة المحتوى وصناعة الاتصالات وصناعة المعلومات.

فالروافع المالية القديمة كانت وما زالت محدودة بطبيعتها، سواء بالمكان أو الحجم أو مدة صلاحية الاستخدام. أما محتوى الكتابة الرصين فإنه غير محدود بالمكان أو مدة صلاحية الاستخدام؛ لأنه ما زال ملهمًا ومحفزًا ونافعًا عبر الأجيال ومع مرور القرون.

فوائد صناعة محتوى مكتوب

1 - ترتيب الأفكار التي في الدماغ عبر الكتابة.

‏2 - التفكير عند الكتابة يجعل السردية أكثر تنظيمًا ومنطقيةً وإقناعًا.

3 - زيادة معدل القدرة على شرح الأفكار وإيصالها لأكبر قدر من الناس.

4 - قدرة الكاتب على ملاحظة الأنماط والأصناف والترتيبات تكون أقوى بعد الكتابة والمراجعة والتدقيق والتصحيح وقياس التعليقات بعد النشر.

لماذا يُعرض الكثير من الناس عن الكتابة

هناك عدة أسباب ومنها:

1 - اختاروا أن يكونوا غير كتّاب.

2 - لا يحبون التعلم لفنون الكتابة.

3 - هامش الوقت المتوفر لا يسمح بذلك.

4 - وجودهم في بيئات محبطة.

5 - الخوف من تبعات بعض أنواع الكتابات.

6 - الكسل أو التسويف.

7 - عدم ترويض النفس على التعود على الكتابة.

8 - سرعة فقدان الشغف.

9 - انعدام روح القراءة الدائمة لدى الشخص؛ لأن القراءة هي وقود الكاتب.

10 - غياب الاهتمام بتكوين وتدوين سجل الأفكار السابقة والحالية والاستشرافية المستقبلية.

‏ماذا يستفيد صناع المحتوى المكتوب

1 - اكتساب القدرة على قوة الملاحظة.

2 - ‏إدارة الروابط بين الأفكار بشكل أدق.

‏3 - حفظ النتاج الفكري والثقافي والأدبي والعلمي للمجتمع.

4 - أرشفة المعلومات للمواضيع المهمة.

5 - تشخيص الأنماط بين الأنماط المتكررة والأنماط المتجددة.

6 - معرفة بصمة الكتّاب.

7 - ‏حسن توظيف الترميز والاستعارات.

8 - إدارة السرديات والقصص بشكل أدق وأمهر.

9 - استنطاق ما بين السطور وفهم التفاصيل التي يمكن تحويلها إلى أفكار جديدة.

تشجيع الأبناء على الكتابة

أدعو الجميع، في بداية رحلة الكتابة، لاسيما الشباب، إلى تدوين يومياتهم وكتابة مشاعرهم عن كل يوم يمر بهم وهم أصحاء؛ فإن الكتابة تحسّن قدرة الإنسان على التعبير.

وتكشف المسافة بين «أنا أعرف الموضوع الفلاني» وبين «أنا قادر على إيصال الفكرة بشرح كتابي واضح لشخص آخر». وتكشف قوة معرفة ما فهمت مما قرأته، ومستوى فهمك لما كتبت عنه، والمسار الذي يتطلب منك البحث فيه لزيادة معالم إلمامك بالموضوع الذي تود الكتابة عنه بعمق لاحقًا. شخصيًا أرى أن إتقان فنون الكتابة عبر فرض حصص تعليمية بالمناهج الدراسية ضمن نظام التعليم، سيخلق طفرات في الوعي وتنوع المواضيع وقطف ثمار الحوارات.

ماذا يخسر من يتجنب الكتابة وإتقانها

‏التأخر في معرفة الفجوة في الاتصال مع الآخرين كتابيًا، وإهمال اكتساب مهارات الكتابة، وإهمال التعلّم بقراءة ما كتبه الآخرون، أمور تؤدي إلى اضمحلال المعرفة في ذاك الوسط الاجتماعي، ومؤشر على الاتكالية والتواكل والانحدار نحو الاختفاء. هل لاحظت عند حضورك أي تأبين لمتوفى بأن من ترك مخطوطات ومؤلفات وأعمالًا جليلة ما زال حيًا في صدور الناس وصفحات الأيام، بينما من أهمل ذلك اندثر باندثار جسده.

خليط جاهز

‏تعلمك بالمدارس والجامعات والكليات والمعاهد، وخبرتك بالعمل والحياة والسفر، وآراؤك وتحليلك ومنظورك للحياة وتجاربك العديدة عند إدارة مواقف جمّة، إذا دونتها جميعًا بانتظام ستخلق بنهاية المطاف محتوى رائعًا وكنزًا معرفيًا محترمًا، و‏تصبح بذلك بإذن الله أيقونة كشخص مميز وناقل تجارب للآخرين.

‏الخلاصة

‏أقتبس كلمة قالها شخص في إحدى الإذاعات الفضائية ولم أدوّن اسمه: إجادة الكتابة لا تغيّر ما ينشره الكاتب، بل تغيّر الطريقة التي ينظر بها عقله إلى أمور مختلفة في العالم. ومع الاستمرار بالكتابة، تتحول الكتابة من مهمة يقوم بها الكاتب إلى أصل معرفي يبنيه ومعارف يشاركها كل يوم مع الآخرين. شخصيًا أحتفي بولادة الكتّاب الجدد بأرض الوطن، والذين يتحفوننا بمحتوى كتابي نافع ومفيد ومضيء وغير مكرر.