آخر تحديث: 21 / 8 / 2026م - 11:53 م

رخو هش أم خشن يتحمل المسؤولية

المهندس أمير الصالح *

مدخل

قبل عدة عقود، وعلى ضوء معترك اقتصادي ضنك مرت به هولندا، حيث كنت أقيم يومذاك، دار حوار مفتوح مع بعض الجيران الهولنديين. وكان الهولنديون يستذكرون أحداثًا ماضية أدت إلى ظاهرة تسمى متلازمة أمستردام الاقتصادية، والمعروفة في كتب الاقتصاد بمسمى Dutch disease. وتم التطرق في ثنايا الحديث إلى موضوع آخر مع تساؤل: السن الأنجع لمغادرة الأبناء بيوت آبائهم ليتحملوا مسؤولياتهم بأنفسهم.

الآراء

1 - رأي أول يتمسك بالعرف الاجتماعي للمجتمع.

2 - رأي ثانٍ يتمسك بالعرف القانوني والسن القانونية للأبناء، والتي على ضوئها يُحاسبون على كل ما يصدر منهم من أفعال وأقوال وتصرفات وسلوكيات.

3 - ورأي ثالث يطالب بتغيير كامل المنظومة؛ لأنها بالية، وإعادة القوالب طبقًا للحياة الاقتصادية مدًّا وجزرًا. وهكذا تعددت الآراء، ولم نصل إلى رؤية مشتركة واحدة في الموضوع. ونذكر سردية أحدهم عندما قال لتثبيت رأيه:

تخيل أن تتدافع التغيرات في أسرة مستقرة، ويتم دفع الأبناء من بيوت آبائهم بعد بلوغهم سن الثامنة عشرة تحت عنوان: «كونوا كما الآخرون، واعتمدوا على أنفسكم، وانطلقوا خارج المنزل!» هل تتوقعون، ومن دون تأهيل نفسي وذهني وفكري وجسدي كامل، أن تكون النتيجة: الفشل أم التعثر أم النجاح أم التيه لمدد مختلفة من الزمن لأولئك الشباب، أم ماذا؟ ولا سيما في ظل المغريات المتنوعة، حيث تجار البشر وتجار الجنس وأنواع العنف وكثرة قصص الاستغلال!

حوار

في بعض المجتمعات، حيث إن ذاك الولد المدلل في بيت الأسرة، حيث الطعام متوفر في كل وقت، والوجبات الثلاث الساخنة تُعد كل يوم دون كلل ولا ملل، والمراتب يعاد ترتيبها بشكل شبه يومي، والملابس يتم غسلها وكويها وترتيبها دون أي جهد من الأبناء، والمصروف الشخصي يُعطى في وقته، وشبكة الإنترنت متوفرة، وفواتير الكهرباء مسددة، والمواصلات متوفرة، وتدفق الماء داخل البيت مؤمَّن… إلخ. ثم يسمع الوالدان كلاهما أو أحدهما تضجر الأولاد ومللهم وتندرهم بحياتهم بدل سماع كثرة الحمد لله، وشكر الوالدين!

مرت السنون وتدافعت الأيام ووصلنا إلى عام 2020 م، وأتذكر أن أحد الزملاء نقل لي رسالة والده قائلًا:

بُني، الشخص الذي تتخيل بقاءه معك قد يختاره الله مستقبلًا فيرحل دون استئذان، أو تتغير أحوال الدنيا عليه عما كان معتادًا أن تكون. ففجأة، تجد نفسك مضطرًا للاستيقاظ مبكرًا والاجتهاد بالبحث عن مصدر رزق لك ولأمك ومواصلة الحياة حاملًا مشاعر لا يستطيع أحد غيرك إصلاحها. يُعلّمك ألم الفراق حينذاك أن الحب لا يضمن الدوام. بُني، عليك من البداية أن تتعلم كيف تعيد بناء حياتك بذاتك، وتستعيد ثقتك بنفسك دون الاعتماد على شخص واحد. قد يجعلك الألم حزينًا أو قد يجعلك أكثر حكمة. فيبدأ النضج بالمسؤولية عندما تختار التعلم دون معاقبة من يأتي بعدك على ما فعله الزمان بك، أو من أساء إليك ممن سبقك.

شاب رخو وهش

لو سألت شابًا في عمر الثامنة عشرة أو العشرين ممن يعيشون حولك عما يجيد صنعه لكسب قوت يومه، فغالبًا ما يكون الجواب كالآتي:

1 - جواب شاب مدلل: «أنا ما زلت في المدرسة/الجامعة، ولم أفكر في هذا الأمر بعد».

شاب خشن يحمل روح المسؤولية

2 - جواب شاب من شمال أفريقيا: «نشتغل أي شيء تطلبه منا، نريد لقمة عيش حلال».

3 - جواب شاب مكسيكي: «أنا جاهز للعمل ولكسب قوت يومي، وأجيد الأعمال الزراعية والبناء وقيادة شاحنة للنقل».

4 - جواب شاب من بلاد بادية الشام/العراق: «الحمد لله، نعمل في مطعم بعض الأوقات، ونعمل أمين صندوق في بقالة بأوقات أخرى، أو بائعًا في محلات، أو دلالًا عقاريًا، أو بائعًا في معارض سيارات، أو موظفًا في مكتب تصدير واستيراد».

هنا تذكرت كلمة ذهبية عندما تتغير الأحوال، وهي: «اخشوشنوا، فإن النعم لا تدوم»، للإمام علي بن أبي طالب .

مرت السنون، ولاحظت فروقات كبيرة بين شاب صقل مواهبه وقدراته منذ الصغر، فأصبح رجلًا يتحمل المسؤولية ويجيد معترك الحياة، وبين شاب مدلل كسول لم يستفد من توفر التسهيلات له، ولم ينمِّ قدراته بل أهدرها، وأضحى اتكاليًا وثقلًا على غيره.

حديث عابر

من جميل الصدف، كان لي حديث عارض مع أحد الأصدقاء عن الأعمال التي ينخرط فيها أغلب الشباب الخليجيين والذين اتخذوا قرار الاستقرار في دول أمريكا الشمالية. فقيل لي: الأغلب الأعم ممن لم يتزوجوا أمريكيات، ولم يتخرجوا من الجامعات، ولم يلتحقوا بمعاهد أو كليات تقنية، فإنهم أضحوا يعملون في تصدير سيارات والقوارب البحرية والدراجات النارية لدولهم وسطاء، أو يعملون في مطاعم ومقاهٍ عربية. وقليل منهم من يملك مطعمًا. وهؤلاء لديهم شعور بالمسؤولية نحو أنفسهم ومن يعولون، ولكن هناك أناس فقدوا روح المسؤولية تمامًا. وهؤلاء أحجب الكلام عنهم.

نداء للشباب

جيد أن يستثمر الشاب كل وقته لإحراز شهادة علمية مرموقة تحفظ كرامته المالية وماء وجهه من السؤال. والأجود أن يعمل وهو يدرس لتحمل تكاليف حياته بنفسه، ويلمس قيمة الجهود لكسب كل دولار يدخل في جيبه أو يسدد به فاتورة الكهرباء أو يدفع قيمة إيجار سكنه. تحمل الخشونة والمسؤولية في البدايات يجلب الكرامة في النهايات. هناك قصص نجاح لفتيات وفتيان من جميع الجنسيات في دول غير دولهم الأصلية، ويجب الاقتداء بهم. فمن يتحمل روح المسؤولية يُبدع في استنطاق مناطق حفظ الكرامة، وينخرط في الأعمال الطيبة وإن كانت مجهدة، حتى بلوغ كامل الأهداف السامية.