آخر تحديث: 21 / 8 / 2026م - 12:13 ص

مهدي الفرج ونور العطاء

فؤاد الحمود *

في عتمة التحديات اليومية والضغوط الحياتية المتزايدة، تبرز في كل مجتمع فئة من البشر يختارون أن يكونوا «مشاعل للخير». هذا المفهوم لا يقتصر على تقديم المساعدات المادية فحسب، بل يمتد ليشمل كل فعل أو كلمة أو مبادرة تهدف إلى إضاءة دروب الآخرين وبث الأمل في نفوسهم، لتحويل طاقاتهم الإيجابية إلى منارات تسترشد بها المجتمعات نحو التكافل والترابط.

فالأثر النفسي والصحي لصنَّاع الخير لا ينعكس إيجابًا على المتلقي فقط، بل يمتد أثره العميق إلى نفسية المعطي أولًا.

تشير الدراسات النفسية والسلوكية إلى أن تقديم العون للآخرين يساهم في التخلص من القلق، وتقليل مستويات التوتر والضغوط النفسية الناتجة عن الانكفاء على الذات، كما يحفز إفراز هرمونات السعادة، ويعزز الشعور بالرضا والسلام الداخلي، ناهيك عن تزكية النفس من خلال تنقية الروح من الأنانية، وتدريبها على العطاء الصافي دون انتظار مقابل مادي.

وللعطاء مظاهر في الحياة اليومية، وتتعدد الأشكال التي يتجسد فيها هذا المفهوم ليتناسب مع قدرات كل فرد، ومن أبرز هذه المظاهر: الكلمة الطيبة والابتسامة، وهي أبسط مشاعل الخير التي تمنح الأنس والاحتواء للمحيطين بنا وتكسر حدة الجفاء الاجتماعي.

وتحوِّل المبادرات التطوعية والمؤسسية الجهود الفردية إلى عمل مؤسسي مستدام يدمج التدريب والتمكين في العمل الخيري، لتأهيل الأفراد وجعلهم فاعلين في مجتمعاتهم.

كما أن التنمية المستدامة ليست مجرد «إغاثة مؤقتة»، بل «تنمية مستدامة» تمنح المعارف والقدرات التي تضمن للفرد الاعتماد على ذاته.

إن إيقاد شمعة صغيرة في طريق إنسان محتاج أو حائر خيرٌ من لعن الظلام آلاف المرات. وكلما زاد عدد حاملي هذه المشاعل، اتسعت رقعة الضوء وانحسرت دروب اليأس، ليبقى العطاء الإنساني هو الحصن المنيع الذي يحمي نسيج المجتمعات ويضمن رفعتها.

هذه الصفات كلها كانت في فقيدنا العزيز مهدي الفرج، وإن عزَّ عليَّ أن أكتب متأخرًا عنه بعد رحيله، لكنها من السمات التي يجب ألّا نتخلى عنها، وعلينا أن نحتفي بمن هم معنا قبل رحيلهم.

الأخ والصديق الوفي مهدي الفرج، لم تكن علاقته مقتصرةً على أفراد مجتمعه الخاص «الصم»؛ بل كانت ممتدةً إلى الناطقين، لذا تجد له حضورًا فاعلًا في المناسبات الاجتماعية بشتى أنواعها، أفراحًا وأتراحًا.

أدواره مع فئته كانت واضحة؛ فهو حلقة الوصل الأولى لسنوات طويلة، وصاحب المبادرة في جمع الصم في المحافل الاجتماعية، كالمسابقات التي كانت تنظمها اللجنة الثقافية بنادي السلام عبر المسابقة الرمضانية.

كما كان دوره الواضح في تأسيس لجنة أصدقاء الصم، التي أخذت على عاتقها ترجمة المناسبات الدينية من مجالس ودروس فقهية توعوية، بل كان يستضيف السيد نجيب العلي في منزله طوال أيام العشرة من محرم وفي أيام المناسبات، فهو من المؤسسين لهذه اللجنة التي أخذت على عاتقها تسهيل وتقديم الخدمات للإخوة والأخوات الصم.

وقد شهدتُ معهم فترات من أجمل لحظات العمر؛ إذ كان هناك تجمع سنوي يجمع الصم من دول الخليج والأحساء والمدينة المنورة في كرنفال أشبه بلقاء تآخٍ قلَّ نظيره، يُقام في يوم أو أكثر، وتُقام فيه البرامج الاجتماعية والثقافية والرياضية، وللأسف، انحسر هذا اللقاء مع الزمن، وقد كان للمرحوم دور كبير في التواصل والتنسيق.

شخصية، رغم إصابتها بالصمم، كانت تدرك وتتحمل الكثير من الأدوار من أجل حياة سعيدة للصم، ورغم هذا العطاء، لم يكن يهتم بالأضواء والبروز، بل كان يعمل بكل ما أوتي، من خلف الكواليس.

أسأل الله أن يتغمده بواسع الرحمة ويجعله في أعلى عليين مع محمد وآله الطاهرين، ويربط على قلوب الفاقدين، ويلهمهم الصبر والسلوان، والحمد لله أولًا وآخرًا.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
أبو علي
20 / 8 / 2026م - 8:17 م
رحمك الله يا أبا هادي رحمة الأبرار وحشرك الله مع محمد وآله الطاهرين