شهادة الخصم ليست برهاناً
ثمة ظاهرة تستحق التأمل أكثر مما تستحق الانفعال؛ ظاهرة لا تخص مذهبًا بعينه ولا دينًا دون آخر، بل تكاد تكون قانونًا نفسيًا عامًا يحكم سلوك الجماعات البشرية حين تتحول العقيدة من فكرة تُفكَّر إلى هوية تدافع عن نفسها.
ففي كل صباح، يستيقظ آلاف الناس لا بحثًا عن الحقيقة، بل بحثًا عمن يصفق لهم.
تجد أحدهم يجوب المنصات كما يجوب الصياد غابة كثيفة، لا يريد معرفة جديدة، ولا سؤالًا مقلقًا، ولا فكرة تزعزع يقينه، وإنما يفتش عن مقطع ليهودي يمتدح مذهبه، أو لمسيحي يثني على شعائره، أو لخصم تاريخي يعترف بفضيلة يؤمن بها، فإذا عثر على ضالته، حملها كمن وجد وثيقة انتصار نهائية، ثم راح يوزعها على الناس بوصفها دليلًا على صحة ما يعتقد.
وفي المقابل، إذا عثر على مادة تهاجم مذهبه أو تنتقص من رموزه، أسرع إلى نشرها أيضًا، لكن لا بغرض مناقشتها أو تفنيدها، بل لاستدعاء شعور المظلومية وإحياء سردية المؤامرة الكبرى التي لا تنام.
في الحالتين، يبدو وكأنه يبحث عن الحقيقة، لكنه في الواقع يبحث عن نفسه.
علم النفس الاجتماعي يفسر هذه الظاهرة بما يُسمى التحيز التأكيدي «Confirmation Bias»، وهو ميل الإنسان إلى تفضيل المعلومات التي تؤيد معتقداته المسبقة، وتجاهل أو تقليل شأن ما يخالفها. وقد أظهرت دراسات حديثة أن هذا النمط لا يضعف بالضرورة مع زيادة التفكير، بل قد يشتد أحيانًا؛ إذ يستخدم الفرد قدراته العقلية للدفاع عن موقفه المسبق، لا لمراجعته.
ولذلك فالمشكلة ليست في الجهل دائمًا، بل في توجيه المعرفة لخدمة الهوية.
حين تصبح العقيدة جزءًا من تعريف الإنسان لنفسه، يتحول أي نقد لها إلى تهديد شخصي، وأي مدح لها إلى مكافأة نفسية، وهنا ينشط ما يسميه الباحثون التفكير الحامي للهوية «Identity-Protective Reasoning»، حيث لا يعود العقل باحثًا محايدًا عن الأدلة، بل حارسًا يقف على بوابة الانتماء؛ يسمح لما يؤيده بالدخول، ويمنع ما يخالفه من الاقتراب.
ومن هنا نفهم ذلك الشغف الغريب بشهادة الخصوم.
فالمؤمن بمعتقده لا يحتاج من حيث المبدأ إلى تصديق الآخرين له، لكن الإنسان الاجتماعي يتوق دائمًا إلى الاعتراف؛ ولهذا تتحول كلمة مديح عابرة من خارج الجماعة إلى حدث احتفالي، وكأن الحقيقة التي عاشت قرونًا لم تكتمل إلا حين نطق بها شخص من خارج السور.
والأعجب من ذلك أن كثيرًا من الناس لا يسألون عن قيمة الدليل نفسه، بل عن هوية قائله.
فلو قال الفكرة نفسها عالم من داخل الجماعة، ربما مرت بلا اهتمام، أما إذا قالها شخص من خارجها، تضاعفت قيمتها فجأة، لا لأن مضمونها أصبح أقوى، بل لأن وقعها النفسي أصبح أشد.
إنها الحاجة القديمة إلى انتزاع الاعتراف من الآخر.
غير أن الحقيقة لا تصبح أصدق لأن خصمًا قالها، كما لا تصبح كاذبة لأن خصمًا أنكرها.
الجاذبية الأرضية لا تحتاج شهادة نيوتن اليوم لتبقى صحيحة، والدوران حول الشمس لم يصبح حقيقة لأن الكنيسة اعترفت به متأخرة.
الأفكار لا توزن بأسماء أصحابها، بل بميزان البرهان.
وقد أظهرت أبحاث الهوية الاجتماعية أن الانتماءات الجماعية تدفع الأفراد إلى تضخيم كل ما يدعم جماعتهم وتضييق مساحة النقد الذاتي، مما يخلق استقطابًا متزايدًا داخل النقاشات الدينية والفكرية، خصوصًا في البيئات الرقمية التي تكافئ الإثارة والانحياز أكثر مما تكافئ التوازن.
لهذا امتلأت شبكات التواصل بأرشيف هائل من المقاطع المبتورة والاقتباسات المنتزعة من سياقاتها، ليس المهم ما قيل كاملًا، بل الجزء الذي يخدم المعركة.
وليس المهم فهم الآخر، بل استخدامه شاهدًا.
وليس المهم الوصول إلى الحقيقة، بل الوصول إلى شعور الانتصار.
وهكذا يتحول الدين من رحلة بحث عن المعنى إلى سباق لجمع التصفيق.
ويتحول المذهب من مدرسة فكرية إلى فريق رياضي.
ويتحول الإنسان من باحث عن النور إلى جامع لأدلة التأييد.
إن أكثر العقول حرية ليست تلك التي تجد ألف شاهد على ما تؤمن به، بل تلك التي تمتلك الشجاعة لتسأل: ماذا لو كنت مخطئًا؟
ذلك السؤال وحده هو بداية المعرفة.
أما الذي لا يفتش إلا عما يؤكد ما ورثه، فلن يغادر المكان الذي بدأ منه مهما قطع من مسافات؛ لأنه لا يسير نحو الحقيقة، بل يدور حول ذاته.
فالحقيقة لا تحتاج منا أن نحبها فقط؛ بل تحتاج أيضًا إلى أن نتحمل احتمال أن تخالفنا.













