حين يكون التنازل انتصارًا
في ميادين العمل الأهلي، وفي الأندية والجمعيات الخيرية والتنموية والصحية والاجتماعية، يتقدّم المرشحون، وتُعرض الأسماء، وتُرفع البرامج، وتُعلن الرغبات؛ فنقول للجميع: بارك الله في الساعي، وجزى الله المخلص خير الجزاء، وكتب لكل نية صادقة أجر العطاء.
فالترشح في جوهره ليس طلبَ كرسي، بل حملُ رؤية، وليس سباقَ اسم، بل تقديمُ رسم، وليس غايته أن يقول المرشح: أنا وصلت، بل أن تقول المؤسسة: أنا تطورت.
وكل مرشح في الأصل يدخل وفي ذهنه فكرة، وفي يده خطة، وفي قلبه رغبة في الخدمة؛ غير أن الأفكار بعد الفوز قد تتشابه فتتكرر، وقد تتكامل فتثمر، وقد تتعارض فتتعثر. ومن هنا يبرز سؤال جدير بالتأمل: لماذا ننتظر ما بعد الانتخابات حتى نكتشف اختلاف الرؤى، ولا نجتمع قبلها لنعرف أين نتفق وأين نفترق؟
ما أجمل أن يلتقي المرشحون قبل الاقتراع، لا لاقتسام المناصب، بل لتقريب المقاصد، ولا لترتيب الأشخاص، بل لترتيب الأفكار، فيعرض كل واحد رؤيته، ويضع خطته، ويكشف مشروعه، ثم تُقارن الحلول بالحجة، وتُوزن البرامج بالمصلحة، ويُقدَّم الأصلح للمؤسسة لا الأقرب للنفس.
فإذا ظهر لأحد المرشحين أن زميله أقدر منه تخطيطًا، وأوسع منه خبرة، وأجود منه فكرة، ثم آثره وتنازل له؛ فذلك ليس انسحابًا من الميدان، بل ارتقاء في الميزان، وليس خسارةً لمقعد، بل انتصارٌ لمقصد.
وهنا يتجلى قول الله تعالى:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى? أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].
فالإيثار ليس في المال وحده؛ بل قد يكون في الجاه، وفي المنصب، وفي الصدارة، وفي تقديم الأكفأ عندما تكون المصلحة أرفع من الرغبة.
ويصدق في هذا الميدان أيضًا قوله سبحانه:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى?﴾ [المائدة: 2].
فالتعاون قبل الفوز أجمل من الخصام بعده، والتوافق قبل القرار أحكم من معالجة الآثار بعده.
وقال رسول الله ?: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»؛ والمؤسسات كذلك: لا يقوى بنيانها بكثرة من يتنافسون على قمته، بل بحسن من يشدّ بعضهم بعضًا في قاعدته.
ولله در المتنبي حين قال:
الرأيُ قبل شجاعةِ الشجعانِ
هو أولٌ وهي المحلُّ الثاني
فكم من مرشح فاز بالانتخاب وخسر الانسجام، وكم من مرشح تنازل عن المقعد وربح احترام الأنام.
إننا نشكر كل من رشح نفسه لخدمة مجتمعه، لكننا نرفع قبعة التقدير أكثر لمن استطاع أن يقول لزميله: فكرتك أفضل، وخطتك أكمل، وأنت لهذا الموضع أجدر؛ فتقدّم، وأنا معك لا عليك.
فهنا يتحول التنافس إلى تعاون، والطموح إلى تواضع، والانتخاب إلى ائتلاف، والمنصب من غايةٍ تُطلب إلى وسيلةٍ بها يُخدم الناس.
فالمنصب الذي نخسره من أجل المصلحة قد يكون أشرف من منصب نكسبه على حسابها، وأجملُ فوزٍ أن تفوز المؤسسة… ولو لم يفز اسمك.













