المريض الذي لا يتألم
قد يقول معلّمٌ لطالب، ومن دون أن نذكر جنسيته تجنّبًا للحساسية: «شو هاظ يا زلمة، إنت عمرك ما رح تنجح»، ويقول آخر، من دون أن نذكر جنسيته أيضًا: «يبئى أبِلْني في تربتي لو نِجِحْت»، ويقول أبٌ لابنه: «بهالعقل الشارع واجد عليك». ثم يمضي كل واحد منهم في يومه؛ يعود المعلّم إلى منزله، ويشرب الأب قهوته، وينسى كلاهما ما قاله بعد دقائق. وحده الطالب، أو الابن، قد يحمل الكلمة في قلبه أربعين عامًا، ويتذكّر نبرة قائلها واللحظة التي قيلت فيها، كأنها حدثت بالأمس. وهذه إحدى أقسى مفارقات الكلمات: أن ينساها قائلها، بينما يعيش بها سامعها عمرًا كاملًا.
الهدم لا يحتاج إلى موهبة؛ فمن لا يُحسن أن يقول لهاوي الرسم: «رسمك رديء»؟ ومن لا يُحسن أن يقول لمبتدئ الشعر: «شعرك سخيف»؟ ومن يعجز عن أن يقول للاعب كرة متهكّمًا: «الله الله يا ميسي»؟ كل أحد يستطيع أن يحمل معولًا، لكن قليلين يعرفون كيف يضعون حجرًا في بناء إنسان. قليلون من يقولون لهاوي الرسم: «ما أجمل ما تصنع، وستكون أجمل لو قرأت أكثر في أصول الرسم»، أو يقولون لمبتدئ الشعر: «لديك موهبة، وستنضج أكثر بدراسة الشعر والعَروض». وبين العبارتين نقدٌ واحد، لكن إحداهما تفتح نافذة، والأخرى تغلق بابًا. إنّ السلام الداخلي ثروة حقيقية، غير أن وأده تخصّص يُحسنه كثيرون. قد يُعجب إنسانٌ بعلم أو فن، فيأتي من يثبّط عزيمته، وقد يختار الصمت، فيأتي من يعكّر عليه صمته، ويسخر من أفكاره وأحلامه وتوجهاته، ثم يسمّي ذلك صراحةً أو نقدًا أو ربما مزاحًا.
يُعالَج السرطان بالكيماوي والإشعاعي والبيولوجي والاستئصال، ولا يزال الطب يبحث عن علاجٍ لكل مرض مستعصٍ. أما مرض اللسان، فعلاجه أصعب؛ ليس لأن الشفاء منه مستحيل، بل لأن صاحبه لا يشعر بأنه مريض. فالأمراض المعتادة تؤلم أصحابها، فيسارعون إلى علاجها، أما مرض اللسان فيؤلم الآخرين؛ ولذلك يظل صاحبه مقتنعًا بأنه في أتمّ الصحة. ومن هنا يبقى مريض اللسان على عهده، ما لم ينتبه إلى علّته؛ لا يُحسن إلا لغةً واحدة: لغة التثبيط وجرح القلوب، ثم يسمّي قسوته صراحةً ووضوحًا، أو ربما يسميها مزاحًا ونكتة.













