آخر تحديث: 18 / 8 / 2026م - 5:50 م

من أستراليا إلى كربلاء

رضي منصور العسيف *

في حرم الإمام الحسين ، وبينما كنت ألتقط صورةً تذكارية مع والدي وبعض الأصدقاء، شعرتُ بيدٍ تربّت على كتفي برفق.

التفتُّ إلى الخلف، فإذا بشابٍّ يبتسم ابتسامةً ودودة، ثم قال بلطف:

— هل تسمح لي أن ألتقط لكم الصورة بجوالي؟

ابتسمت وقلت:

— بكل سرور، هذا من دواعي سعادتي.

فتح كاميرا هاتفه، واختار زاوية التصوير بعناية، ثم التقط لنا الصورة.

وحين رأيتها، ضحكت وقلت له:

— يبدو أنك مصوّر محترف!

ابتسم بتواضع، فشكرته، ثم دفعني فضولي إلى أن أسأله:

— ما اسمك؟ ومن أين أنت؟

قال:

— اسمي عقيل، أفغاني الأصل، لكنني أعيش في أستراليا.

قلت مازحًا:

— آه... بلد الكوالا والكنغر!

ضحك وقال:

— نعم، بالضبط.

سألته بدهشة:

— وهل جئت من أستراليا إلى هنا من أجل زيارة الأربعين؟

قال بثقة وابتسامة هادئة:

— نعم.

عندها توقفتُ لحظة.

أستراليا... كربلاء!

تداعى إلى ذهني بُعد المسافة، وطول الرحلة، وساعات الطيران والانتظار، وكل ما يرافق السفر من تعب ومشقة.

لكنني كنت أقف أمام شابٍّ اختصر كل تلك المسافات بكلمة واحدة:

الحسين.

فحين يكون القلب متجهًا إلى كربلاء، لا تعود آلاف الكيلومترات سوى طريقٍ يقود إلى الحبيب.

قلت بإعجاب:

— ما شاء الله... هنيئًا لك هذا التوفيق.

ثم طلبت منه أن نلتقط صورةً معًا، فوافق بكل سرور، وأخذ رقم هاتفي ليرسل لي الصور.

كنت سعيدًا جدًا بهذا اللقاء؛ فقد كنت طوال أيام الزيارة أبحث عن فرصة لأستمع إلى تجربة زائر غير عربي، جاء من مكان بعيد، لأعرف كيف رأى زيارة الأربعين بعينيه، وكيف استقبل قلبه هذا المشهد الاستثنائي.

قلت له:

— هل يمكن أن تحدثني، ولو باختصار، عن تجربتك في زيارة الأربعين؟

رحّب بالفكرة، وبدأ يتحدث بحماس:

— من الأشياء التي لن أنساها جمال المراقد المقدسة والزيارات التي قمنا بها، وكذلك المسير من النجف إلى كربلاء.

ثم تابع:

— مشيت الطريق كاملًا، وكنت أثناء المسير أساعد الزائرين في طريقهم إلى كربلاء.

وأردف وهو يستعيد تفاصيل الرحلة:

— كان الطعام متوفرًا في كل مكان، وكانت هناك أماكن كثيرة نستطيع أن نستريح فيها. وأكثر ما أعجبني أننا كنا نستطيع التوقف والاستراحة في أي مكان تقريبًا أثناء المسير.

ثم ابتسم وقال:

— العراقيون من أطيب الناس الذين قابلتهم. لقد كوّنت صداقات جديدة في الطريق، وشاهدت شيئًا عجيبًا من حب الإمام الحسين .

سألته:

— وما الذي تقصده؟

قال:

— رأيت الناس يتسابقون لخدمة الزائرين. حتى الذين لا يملكون الكثير من المال كانوا يقدّمون ما لديهم؛ طعامًا، وشرابًا، وخدمةً، ومساعدةً للزائرين.

كان يتحدث، وأنا أرى في كلماته مشاهد الطريق كلها:

مواكب ممتدة، وأيدٍ تحمل الماء، وأخرى تقدّم الطعام، ووجوهًا أنهكها التعب، لكنها لا تزال تبتسم للزائر وتقول له:

— تفضّل يا زائر الحسين.

وكأن أصحاب المواكب جميعًا يترجمون، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، كلمة الإمام الحسين :

«أَيُّهَا النَّاسُ، نَافِسُوا فِي الْمَكَارِمِ، وَسَارِعُوا فِي الْمَغَانِمِ».

هناك، على طريق الأربعين، لا تكون المنافسة في جمع المال، ولا في الظهور، ولا في المكاسب الشخصية...

بل في سؤال واحد:

من يخدم زائر الحسين أكثر؟

هذا يقدّم الطعام، وذاك الماء، وثالث يهيئ مكانًا للنوم، ورابع يدلك قدمي الزائر المتعب، وخامس يقف تحت الشمس ساعاتٍ طويلة ليرشد الماشين إلى الطريق.

إنها منافسة من نوع آخر...

منافسة في المكارم.

ثم قال عقيل:

— إن شاء الله، أريد أن أعود إلى هنا مرة أخرى، وأتمنى أن أوفَّق للزيارة دائمًا.

قلت له:

— هنيئًا لك هذا التوفيق.

ثم بقي في نفسي سؤال لم أستطع تجاوزه.

قلت له:

— أريد أن أسألك سؤالًا أخيرًا... صف لي شعورك عندما دخلت حرم الإمام الحسين لأول مرة.

فجأة تغيّرت ملامحه.

اختفت الابتسامة التي كانت ترافق حديثه، وسكت لحظات.

ثم اغرورقت عيناه بالدموع.

نظر نحو الضريح، وكأن السؤال أعاده في لحظة إلى أول خطوة خطاها في الحرم، وإلى أول نظرة وقعت فيها عيناه على مرقد سيد الشهداء.

قال بصوت خافت متأثر:

— شعرت بحزن عميق... وانكسار في داخلي.

توقف قليلًا، ثم تابع:

— كان إحساسًا لا أستطيع أن أتخيّله قبل أن آتي إلى هنا، وما رأيته وشعرت به كان شيئًا يفوق الوصف... كأنه غير واقعي من شدة تأثيره.

ثم سالت دمعة على خدّه.

عندها شعرت أنني لا ينبغي أن أسأله أكثر.

فبعض المشاعر تُفسدها كثرة الأسئلة، وبعض الدموع تكون أبلغ من جميع الكلمات.

مددت يدي إليه مصافحًا، وقلت:

— هذا يكفي... أسألك الدعاء، أيها الموفَّق.

ابتسم من بين دموعه، ومضى.

وبقيتُ أتأمل ذلك اللقاء العابر الذي بدأ بصورةٍ تذكارية، وانتهى بصورةٍ أخرى لا تلتقطها عدسة هاتف:

صورة شاب جاء من أقصى الأرض، وقطع آلاف الكيلومترات، ومشى من النجف إلى كربلاء، وخدم الزائرين في الطريق، ثم وقف عند الحسين...

فبكى.

عندها أدركت من جديد أن الحسين لا تحدّه لغة، ولا وطن، ولا مسافة.

قد يكون الزائر عربيًا أو أفغانيًا، يعيش في العراق أو أستراليا، قريبًا من كربلاء أو خلف البحار...

لكن حين يصل إلى الحسين، تسقط كل المسافات.

ويبقى القلب وحده يقول:

السلام عليك يا أبا عبد الله.

كاتب وأخصائي تغذية- القطيف