لا تضع على التدبر أقفالاً؟ «4»
بعد أن تدارسنا معًا معالم الطريق وكسرنا أقفال التدبر، لم يعد أمامك إلا أن تشرع في طرق الباب، بل الدخول فيه. إنَّ التدبر ليس مجرد تأمل نظري، بل هو مشروع وجودي وأثر يخلدك. فهل أنت مستعد لتكون مؤلفًا في رحاب الوحي؟ إليك هذه الإضاءات لتكون وقودًا لرحلتك، وضمانًا لعدم نكوصك.
إذا أردت دخول بوابة التدبر في القرآن؛ لا تبدأ بالآيات التي تثقل كاهلك، بل ابدأ بما تجد فيها اللذة. اجعل الشغف قائدك؛ فإن لم تجذبك المطولات كسورة البقرة وآل عمران، فإنّ في قصار السور والفاتحة ما يروي الظمأ. ابحث عن الزوايا التي تشدّ انتباهك؛ وإليك الآن السؤال: هل تغريك قصص الأنبياء كعيسى وموسى؟ أم تستهويك الحكايات الغرائبية مثل هاروت وماروت، ويأجوج ومأجوج؟ عن نفسي؛ أغراني ”هدهد سليمان“؛ ذلك الطائر الذي حفت به الأساطير، فأطلقت فيه سلسلة مقالات وقيدتُها في كتاب قد يرى النور. البعض أغراه الحديث عن ”نساء القصور الملكية“ في القرآن.. فما الذي يغريك أنت؟ إنني أبتسم الآن لأنني واثق أنك ستجد ضالتك، وستجد ما يبهر قلبك قبل أن يُبهر الآخرين. وإليك حكاية واقعية أن شابًا شدَّه منطق الطير في سورة النمل، فأخذ يتأمل آيات الحكاية بدقة، فإذا بأبواب خفية تتفتح له لم يكن يتوقعها! استمر في الغوص خلف دهشته، فإذا به يخرج بدراسة رصينة تستحق التقدير، جمعت بين لُبّ التفسير وعجائب الاستنباط. حينها أدرك أن البداية الصحيحة هي أن تطرق الباب الذي يروق لك وتتفاعل معه؛ فمنه ينكشف لك الطريق.
دعني أصارحك قليلًا، فأنا معجب بروعة اللفتات القرآنية التي يتداولها الأصدقاء في المجموعات التدبرية، لكنني أحزن أكثر لأنها تظل ”شذرات“ عابرة حبيسة الأصداف، فلا تتحول إلى باكورة عمل يسكن رفوف المكتبات ومعارض الكتب. ونصيحتي لك: جالس المهتمين في هذا الوادي، واجعل غيرة الإنجاز تحركك. والآن امسح الغبار عن مصحفك المهجور، وقرر اليوم أن تخرج كتابك القرآني الأول.. ولن يكون الأخير. اجعل هدفك ما يبهرك أنت، وسينبهر الآخرون معك.. فماذا تنتظر؟
يحكى أن أحد المهتمين بالقرآن قرر ألا يترك فكرة تمرّ بباله دون تقييد، فكان يدون كل مرة ما تبلغه بصيرته في ورقة صغيرة. وفي نهاية العام، وجد بين يديه مادة ثرية تستحق أن ترى النور، وما هي إلا أيام حتى نال كتابه الأول استحسان الجميع. حينها أدرك أنه لو لم يتحرك لجمع تلك الشذرات، لذهبت مجهوداته هباء منثورًا.
والآن لننتقل بالحديث لملكة المطبخ، هل بمقدورك أن تقدمي لنا كتابًا شهيًا على طبق من تدبر؟، كثيرًا ما أتساءل: أين نتاج أخواتنا الفاضلات؟ واثق أنّ هناك كتبًا حبيسة الأدراج تحتاج لمارد يحررها. الحقيقة أننا لا نحتاج إلى مصباح علاء الدين، بل نحتاج إلى الإرادة والانضباط. ونصيحتي: لا تجعل الرغبة في الكمال اللامتناهي الذي يصرع بدايتك؛ أطلق مشروعك؛ وازهد في حطام الدنيا وتوافه الأمور؛ فقد لا تربح مالاً، لكنك ستربح كتابًا يخلدك لأعوام. حين يسألني أحدهم: ”كيف أتعلم الكتابة؟“، قلت له: تحتاج لشيء واحد فقط.. ”الإرادة“. فإذا أردت شيئًا سيكون، بشرط واحد هو ”الانضباط“؛ حينها سيزفّ كتابك على رؤوس الأشهاد في المعارض والمكتبات.
مما قرأت أن كاتبًا أطلق صفحة قرآنية على الشبكة العنكبوتية، وعاهد نفسه على إدراج مقالة واحدة كل يوم. كان يظنها خطوة متواضعة، غير أنه مع انقضاء العام، تحولت تلك الجهود المستمرة إلى موقعٍ ضخم يشار له بالبنان والتميز. لقد أثبت أن سحر الإنجاز لا يحتاج لقفزات هائلة، بل لخطوات صغيرة منضبطة، تحيل القطرات إلى بحر زاخر.
كلمتي الأخيرة: متى ستحقق حلمك؟ انطلق الآن؛ اجلس في عزلة مع نفسك، ادع أحد الأصدقاء الإيجابيين على قدح شاي وقل له بكل ثقة: ”أريد أن أبدأ“. اطلق القوة الكامنة في داخلك، ولا تدع التجربة تمرّ دون أن تترك فيها بصمتك. فاليوم تغرس البذار، وغدًا تقطف الثمار. ازهد في التوافه وانطلق لتصنع الأثر؛ فالمكتبات تنتظر اسمك، فما الذي يمنعك الآن؟













