آخر تحديث: 18 / 8 / 2026م - 3:00 م

السعودية وتركيا وباكستان - دفاعياً واقتصادياً.. أشدد عضدك بأخيك «2»

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة مال

تمتلك الاقتصادات الثلاثة مزايا نسبية متكاملة تجعل من أي تعاون عميق بينها فرصة هيكلية وليست مجرد تنسيق ظرفي. فالسعودية تتمتع بقدرة تمويلية هائلة وموقع محوري في أسواق الطاقة العالمية، إلى جانب مشروع تنموي طموح يسعى لتوطين الصناعات المتقدمة وتقليل الاعتماد على الاستيراد. وتركيا تمتلك قاعدة صناعية متنوعة ومتقدمة نسبياً، خاصة في الصناعات الدفاعية والآلات والتصنيع المتوسط والعالي التقنية، مع شبكة تصديرية واسعة وخبرة تراكمية في الإنتاج المشترك ونقل التقنية. أما باكستان فتتميز بحجم سكاني كبير يوفر قوة عمل وأرضاً إنتاجية محتملة، إلى جانب خبرة عسكرية وصناعية دفاعية وقدرات ردع استراتيجية. هذا التكامل في المزايا النسبية—التمويل والطلب من جهة، والقدرة الإنتاجية والتقنية من جهة ثانية، والقوة البشرية والخبرة العملياتية من جهة ثالثة—يوفر الأساس الموضوعي لبناء شبكة مصالح اقتصادية تدعم أي إطار دفاعي مشترك.

وليس من شك أن الاتفاق الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان يحمل قيمة دفاعية عالية للدول الثلاث، ويفرض واقعاً جديداً يمتد تأثيره المباشر إلى المنطقة بأسرها، ضمن دائرة تشمل الدول الموقعة وما يجاورها من أقاليم. هذا الواقع الجديد لا يقتصر على إعادة ترتيب معادلات الردع، بل يفتح الباب أمام تساؤل جوهري حول شروط استدامته. فالتناول في الجزء الأول من هذا المقال ركز على البعد الاقتصادي بصورة عامة، أما التحليل هنا فيختبر فرضية مركزية: أن التحالفات الدفاعية لا تكتسب عمقاً حقيقياً ولا تستمر فاعلة إلا إذا اقترنت برافعة اقتصادية تبني شبكة مصالح متبادلة تحفز الأطراف على التفاعل النشط والمستمر.

وإعمالاً لاختبار الفرضية، فعند التدقيق في نص الاتفاق يتضح أنه يظل في جوهره إطاراً دفاعياً يركز على الردع المشترك والتنسيق العسكري وتطوير القدرات، غير أن غياب الإشارة الصريحة إلى البعد الاقتصادي لا ينفي بالضرورة وجود طبقة اقتصادية عميقة تشكل شرطاً ضرورياً لاستدامة المرتكزات الدفاعية ذاتها؛ فمنطق الاقتصاد السياسي يؤكد أن أي منظومة ردع جماعي لا يمكن أن تبقى فاعلة على المدى الطويل ما لم تُدعم بقاعدة إنتاجية وتمويلية ومصلحية مترابطة.

ويستند هذا الاستنتاج إلى نظرية الاقتصاد السياسي للتحالفات، وتحديداً إلى الإطار الذي وضعه مانكور أولسون وريتشارد زيكهاوزر في دراستهما الكلاسيكية عن ”نظرية اقتصادية للتحالفات، نشرت في العام عن جامعة هارفارد، فطبقاً لهذا الإطار فالردع الجماعي“ سلعة عامة" نقية داخل التحالف؛ فهي غير قابلة للاستبعاد وغير تنافسية في الاستهلاك. وعليه، تميل الدول الأعضاء - من خلال السلوك التاريخي - إلى الاعتماد على جهود الآخرين، أي استفادة طرف من سلعة أو خدمة جماعية دون أن يتحمل نصيبه العادل من تكلفتها أو من الجهد المبذول في توفيرها. تؤدي هذه المشكلة إلى هشاشة الالتزامات على المدى الطويل، ما لم تُربط بمنافع خاصة أو حوافز انتقائية، ولعل اتفاقية الدفاع المشترك بين الدول العربية أحد الشواهد.

هنا تبرز أهمية بناء القاعدة الإنتاجية والتقارب الاقتصادي المبني على أسس؛ فحين يتحول جزء من التعاون الدفاعي إلى إنتاج مشترك وتبادل تقني ومصالح صناعية وتمويلية ملموسة، تتحول هذه المنافع إلى حوافز انتقائية أو منتجات مشتركة مرتبطة بالمساهمة في الردع، وبذلك ترتفع تكلفة الانسحاب أو التراجع عن الالتزامات، لأن الدولة لا تخسر الغطاء الأمني فحسب، بل تخسر أيضاً منافع اقتصادية وصناعية مرتبطة به، هذا الربط بين السلعة العامة «الردع» والمنافع الخاصة «الإنتاج والتوطين والتمويل» هو ما يمنح منظومة الردع الجماعي قدراً أكبر من الاستدامة، فالإنتاج المشترك وتحويل جزء من الإنفاق العسكري إلى استثمار محلي يخلقان مصالح متبادلة تجعل تكلفة الانسحاب أعلى بكثير من تكلفة الاستمرار، ويحولان الجانب الاقتصادي من ملحق اختياري إلى آلية داخلية تعزز مصداقية الردع وتضمن استمرارية آليات التنسيق والمناورات، لأنها تربط الأمن بمنافع ملموسة في التوطين والنمو وتخفيف المخاطر.

ويجد هذا المنطق سنداً عملياً واضحاً في تجربة حلف شمال الأطلسي. فرغم أن الناتو تأسس كمنظومة دفاعية جماعية خالصة، إلا أن استمراريته لأكثر من سبعة عقود لم تعتمد فقط على الالتزام السياسي والعسكري، بل على شبكة كثيفة من المصالح الاقتصادية والصناعية المترابطة. فالتعاون في القاعدة الصناعية الدفاعية، وتوحيد المعايير التقنية، وبرامج التطوير والإنتاج المشترك، والمشتريات الجماعية، كلها عناصر خلقت حوافز انتقائية جعلت تكلفة الخروج من الحلف أعلى من تكلفة البقاء فيه. وقد أظهرت دراسات الاقتصاد السياسي للتحالفات أن هذا التشابك الصناعي والاقتصادي ساهم في تحويل جزء من الإنفاق الدفاعي إلى استثمار يعود بمنافع اقتصادية على الأعضاء، مما عزز تماسك الحلف عبر الأزمات السياسية المتكررة.

من زاوية تحليل التكلفة والمنفعة وتكلفة الفرصة البديلة، فإن إهمال الشق الاقتصادي بين الدول الثلاث يفرض تكلفة فرصة مرتفعة. فبدون تحويل التعاون الدفاعي إلى إنتاج مشترك ونقل تقني ومصالح تمويلية مترابطة، تظل الدول تدفع تكاليف الردع والتنسيق دون أن تسترد جزءاً منها عبر قيمة مضافة محلية أو خفض للواردات أو توليد صادرات مشتركة، مما يعني أن المنفعة الضائعة هنا مزدوجة: استمرار التسرب الخارجي للموارد في شراء أنظمة جاهزة بدلاً من توطينها، وضعف الحوافز الداخلية التي تحول دون تفاقم مشكلة الراكب المجاني على المدى الطويل. في المقابل، فاستغلال البعد الاقتصادي يقلل التكلفة الصافية للردع، لأنه يحول جزءاً من الإنفاق إلى استثمار يولد عائداً اقتصادياً وأمنياً في آن واحد، ويرفع تكلفة الفرصة البديلة للانسحاب، مما يعزز استدامة المنظومة بأكملها.

ختاماً، فإن تحصين الاتفاق الدفاعي يتطلب امتداداً اقتصادياً محوكماً ومنظماً، لا يترك للصدف أو للمبادرات المتفرقة. وفي هذا السياق، يمكن تصور إطار مؤسسي ثلاثي يضع آليات واضحة للإنتاج المشترك في الصناعات الدفاعية والمدنية المرتبطة بها، ويحدد قواعد نقل التقنية وتقاسم الملكية الفكرية، وينشئ صندوق تمويل مشترك أو برنامج استثمار متبادل تضمن توزيع المنافع بصورة متوازنة. مثل هذا الامتداد المحوكم يحول الاتفاق من التزام أمني قابل للتآكل إلى منظومة مصالح مترابطة ترفع فرص الاستدامة والاعتمادية والموثوقية وتعمق الاعتماد المتبادل، فتمنح الردع الجماعي أساساً اقتصادياً يجعله أكثر قدرة على الصمود أمام تقلبات السياسة وتغير موازين القوى.

كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى