آخر تحديث: 16 / 8 / 2026م - 10:53 م

البركة… رزقٌ فوق الرزق

الدكتور ماهر آل سيف *

البركةُ ليست رقمًا يُحصى، ولا مالًا يُستقصى، ولا عمرًا تُعدّ أيامه، ولا رزقًا تُملأ به الخزائن؛ إنما هي نفحةٌ من الله، إذا حلّت في القليل كثّرته، وإذا نزلت في اليسير وفّرته، وإذا صحبت العمر عمّرته، وإذا دخلت البيت أسعدته.

قد يتساوى رجلان في الراتب، ويختلفان في الراحة والحاجة؛ فهذا يملك الكثير ولا يكفيه، وذاك يملك القليل فيغنيه ويؤويه. وليس الفرق دائمًا في مقدار الدخل، بل في لطف الله حين يبارك في المال، ويصرف عنه التلف، ويجعله بابًا للستر لا سببًا للهمّ والكدر.

والبركة ليست في المال وحده؛ فقد تكون في صحةٍ تعين على الطاعة والعمل، وفي وظيفةٍ تحفظ الكرامة وتفتح أبواب الأمل، وفي أبناءٍ يكونون للوالدين سندًا وذخرًا، وفي علمٍ قليل الحروف عظيم النفع والظروف.

قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، فالبركة فتحٌ من الله، ومفتاحها الإيمان والتقوى، وحارسها الشكر والرضا.

وقال سبحانه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ؛ فالشكر يحفظ النعمة من الزوال، ويزيدها حسنًا على حسنٍ وكمالًا على كمال. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ؛ فقد يأتي الفرج من طريقٍ لم يخطر في البال، ويأتي الرزق من بابٍ لم يدخل في الحساب.

ورُوي عن أمير المؤمنين علي : «أكثروا الاستغفار تجلبوا الرزق»؛ فالاستغفار يطهّر القلب، ويفتح أبواب الفضل، ويصل العبد بربّه صاحب العطاء والفضل.

فلا تسأل الله كثرة المال وحدها، بل بركته، ولا طول العمر وحده، بل حسن أثره، ولا كثرة الأبناء، بل صلاحهم وبرّهم.

فالبركة سرٌّ لا تدركه الأرقام، ولطفٌ تعجز عن وصفه الأقلام؛ إذا حضرت كفى القليل، وإذا غابت لم يُغنِ الكثير.