الكتابة بعجل بني إسرائيل..!
على صخرة بانت شقوقها وقف السامري يعلن نبوته بآية العجل الذي له خوار… فآمنت به العقول الضئيلة التي كانت تلح على أن ترى الله جهرة، وعلى طلبهم: اجعل لنا إلهًا من حجر وطين يابس! قدّم السامري نموذجًا لصناعة الإضلال المتعمد لمن لديه الاستعداد النفسي والعقلي لتقبله والإيمان به. ليست المسافة الفاصلة بين معجزات موسى وبين سجودهم للعجل أربعين ليلة… تباعد موسى، وحين رجع رأى اليهود صافّين أمام عجل من نحاس تصفر فيه الريح، فيصرخ صوت الفراغ المنبعث من داخله!
كل راية ضلالة عنوان جامع لعقول أتباعها، وكل صنم يُعبد تجسيد لعمق جهل الخاشعين حوله والداعين له. السامري فضيحة للعقول، فضيحة للجهل المختبئ، فضيحة للنفس المعتلة، فضيحة لعوز القلوب إلى صنم متجسد في مادة؛ لأنها أضعف من الارتفاع عنها أو إدراك ما بعدها. السامري جاء ليروي للعالم هشاشة اليهود في كل شيء، وضعف عقولهم في كل شيء، وانحطاط الوعي فيهم في كل شيء، وما العجل إلا أسوأ نموذج مجسد، وأبعد صورة عن أن يكون إلهًا. ولكنه كان هو دون غيره النموذج الأكثر إقناعًا لهم، واستجلب إيمانهم به أكثر من آيات موسى ومعجزاته المتتابعة التي لم تنقطع ولم تتوقف.
وعلى مسافة من الزمن..
الذكاء الاصطناعي «عجل» يقتات على السرقة، ويهبها لمن لا يستحقها، يختلس الأفكار لينسبها إلى نفسه من لا يفهم مقدماتها، ويجهر بها في الناس من لا يعي مآلاتها، ولا يدرك حقيقة معناها؛ عتمة من الجهل لا تفرق بين ليل ونهار.
إن كانت الكتابة رسمَ جمال المعنى بالكلمات المحمولة على عاطفة الكاتب وحضور روحه، فإن نور التجلي للمعنى يتشظى في كل مرة يُتناول فيها، ويتفاوت في التأثير؛ لأن لكل روح حضورها، ولكل روح جمالها، ولكل روح لغتها المنسوجة من تفرد خيوطها وحركة أصابعها.
فإن «العجل الصناعي» يرسم قوالب محددة، ويسرق الأفكار من كل أحد، ويعطيها لكل أحد، ويؤلف التضاد، ويجمع التناقض، ويفرغ الفلسفة في فراغ اللغة الممتدة المتكررة التي تبقى «قالب صناعة الثلج» لا يتغير ولا يتبدل؛ نمط واحد، وطريقة واحدة لا تخطئها عين، ولا تغافل حامل بصيرة في الأسلوب والقراءة.
من شاء أن يستر نفسه فليفعل!
فلا يُعِيرَنَّ نفسه للعجل الصناعي ليكتب باسمه، ولا يسرق الأفكار وينسبها إليه؛ لأن غطاءه شاف، وحبله أقصر مما يظن المتعلقون به، وهشاشته أرق مما يظن المتكئون عليه، وكما يسرق له، فإنه عن قريب سيفضحه من خلال الإحالة لما سبق أن أنتجه في ذات الموضوعات والتعابير.
الكتابة رسالة معنى…
أنت المنتج له، أنت حامله، أنت الوعي فيه، هو تعبير لذات هي ذاتك، ومن يستقبلها يترقب تجلي روحك، واكتشافَ النور الذي يسكنك أنت، يترقب شعورك ومشاعرك وعواطفك في الكلمات التي تختارها، أو الكلمات التي تختارك، فيما تصطفيه من لغة، وما تصطفيك هي منه.
اللحن من روحك إعراب، والصواب من الذكاء الاصطناعي لحن؛ لأن كل كاتب له طريقه الخاص الذي يتفرد به، والذي يمثل صوته الذي يميزه الأعمى إذا سمعه، ويمثل صورته الطبيعية التي يجمعها النسق والتأليف.
إن لم تجد في روحك بوحًا، فاجعل الصمت تسبيحًا مع ملائكتك.
وإن لم تجد في نفسك معنى، فاجعل معناها الحضور والتجلي؛
أنت بذاتك هبة الله التي فضلها على ملائكته في السماوات والأرض.
الكتابة ليست في الكثرة، وليست في أن تنسب إلى نفسك ما لا تستوعبه من الأفكار، وما لم تعشه من المشاعر، وما لم يحضرك من إحساس، فتكلف العجل الصناعي بسرقة هذا كله ونسبته إليك…
الكتابة معناك أنت!
والعالم يترقب تجليك بذاتك، بوصفك روحًا لن تتكرر في الوجود أكثر من مرة! وهي كالكواكب الفريدة في الوجود، تأتي متفردة، ولها نورها الذي تختص به دون سواها…













