آخر تحديث: 13 / 8 / 2026م - 8:37 م

عن الثابت والمتغير في الأحكام الشرعية

يوسف أحمد الحسن *

تدور معظم الجهود والبحوث الاجتهادية لدى الفقهاء المعاصرين في فلك المسائل التي بحثها الفقهاء الأوائل الذين سبقوهم، وتنتهي في الغالب إلى ذات النتائج التي انتهوا إليها، إلا ما قل وندر. هذه الجملة كانت مدخلا للحديث عن الثابت والمتغير في الأحكام الشرعية وطريقة تعامل الفقهاء معها في الغالب كما قال مؤلف كتاب ”الثابت والمتغير في الأحكام الشرعية.. بحث في مواكبة الفقه لتطور الحياة“.

بعدها تحدث الكاتب ”سماحة الشيخ حسن الصفار“ في المسالك التي يسلكها الفقهاء في تجديد نظرهم في الأحكام الشرعية محددا إياها في ثلاث: الأول أن يعيد الفقيه قراءة الدليل على الحكم التي قد توصله إلى قناعة جديدة برأي جديد لعدم كفاية الدليل على الحكم الذي كان يراه أو اكتشاف إشكال في سند النص أو وجود احتمال آخر في فهم المتن. وثاني المسالك هو تلافي حالة الضرر والحرج المحتملة والتي قد تحصل بتطبيقه أو مراعاة للرأي العام الإنساني المعاصر، أي تجميد الحكم هنا وليس تغييره. والثالث إفتاء الفقيه بتغيير حكم شرعي بعد قراءة الظروف التي أحاطت بصدوره في الأساس، وأن بقاء الحكم يؤدي إلى خلاف ما يتوخاه الشارع في تشريعه للحكم.

بعدها تحدث الكاتب عن أصناف النَسخ في القرآن قبل أن يذكر نماذج من أحكام شرعية صدرت ونزلت بها آيات ثم نُسخت بآيات أخرى ذاكراً عدة نماذج، منها آية النجوى، والعدد من المقاتلين المسلمين الذين يجب الوصول إليه قبل أن يتوجب عليهم القتال، وعدة الزوجة وإرثها من زوجها والذي كان مختلفا عما استقر عليه الحكم في هذا الموضوع فيما بعد، وتغيير القِبلة، وعقوبة فاحشتي الزنا واللواط.

وفي القسم الذي يتحدث عن ”التشريعات النبوية: ثابت ومتغير“ قال المؤلف بأنه ”لا شك أن الأصل في كل حكم شرعي هو الثبات والاستمرار. لكن الوجدان والواقع يحكم بأنّ الشرع قد يضع أحكاما لغايات ومقاصد محددة بزمن وظرف معيّن، وحين تنتفي تلك المقاصد والغايات، بتغير الظرف والزمان، فإنه ينتهي ويتوقف مفعول تلك الأحكام بأمر الشارع نفسه“. كما أكد سماحة الشيخ الصفار في موضع آخر على أن لخصوصيات الزمان تأثير في مناطات الأحكام الشرعية يجب استحضارها عند ممارسة الاجتهاد. وأضاف أنه كانت هناك تشريعات في زمن الرسول ﷺ عمل بها المسلمون لكنها رفعت بعد ذلك وألغيت متأثرة بأمور عديدة منها حالات الضعف والقوة التي مر بها المسلمون، وحتى اختلاف العهد النبوي من مكي إلى مدني، ضاربا بعض الأمثلة التاريخية المدعمة لفكرته.

وتحدث سماحته عن الاتجاهات السائدة في الأمة في التعامل مع التجربة النبوية محددا إياها في ثلاث:

الأول تبني نظرية تاريخية التجربة النبوية والشريعة الإسلامية وأخذ القيم الأساس فيها كالعدل والمساواة والكرامة وحقوق الإنسان ومكارم الأخلاق، أما الأحكام والتشريعات فهي تطبيقات لها تصلح للعصور الأولى للإسلام، أما اليوم فينبغي تجاوزها لأنها قد لا تناسب الزمن الجديد أو تعديلها. واستنتج سماحته بأن هذا الاتجاه لا يمكن القبول به إطلاقا لأنه يعطل النص الديني لصالح الاستحسان العقلي البشري.

الثاني الاتجاه السلفي وهو نقيض الاتجاه الأول حيث يرى التمسك بحرفية كل النصوص الدينية واستنساخ السيرة النبوية وسيرة السلف بحذافيرها، حتى في التطبيقات والأساليب والوسائل، مع تجاهل كل التغيرات والتطورات الهائلة في العالم.

الثالث الذي يدعو إلى تطوير عملية الاجتهاد في الفكر والفقه لاستيعاب تطورات الحياة، بما يعنيه ذلك من تطوير أصول الاجتهاد وقواعد الاستنباط، وليس الجمود في حدود الضوابط والقواعد المتداولة في البحث الأصولي السائد، وهو ما دعا إليه الشهيد الصدر مثلا كما يقول الشيخ الصفار.

بعدها أورد المؤلف في الكتاب - الصادر عن مؤسسة الانتشار العربي وأطياف في 170 صفحة والذي صدرت طبعته الأولى في عام 1437 هـ ونفذت نسخه في سنة صدوره قبل أن يطبع ثانية، وأقيمت حوله ندوة في مدينة النجف العراقية في عام 1439 هـ حضرها بعض الفقهاء والفضلاء والمثقفين - أورد بعض الأمثلة على إيقاف الأئمة بعض الأحكام النبوية التي صدرت عن رسول الله ﷺ لمصالح ظرفية مثل ستر المسلمين لشيبهم لكي يظهروا بهيئة الأقوياء أمام العدو. وحين انتفاء الحاجة لذلك فلم يبق لذلك الحكم من موضوع، وهو ما جاء في نهج البلاغة أن: علياً سئل عن قول الرسول ﷺ: ”غيّروا الشيب ولا تشبّهوا باليهود“، فقال : "إنما قال ﷺ ذلك والدين قُلُ، فأما الآن وقد اتسع نطاقه، وضرب بجرانه، فامرؤ وما اختار. ص 87

ثم أورد المؤلف أمثلة أخرى تعزز هذا التوجه من الأئمة حسب ظروف كل زمن، إضافة إلى حديثه عن قيام الفقهاء بإعادة النظر في بعض الأحكام الشرعية موردا مقولات بعض العلماء مثل قول العلامة الحلي ص 100: الأحكام منوطة بالمصالح، والمصالح تتغير بتغير الأوقات، وتختلف باختلاف المكلفين، فجاز أن يكون الحكم المعيّن مصلحة لقوم في زمان فيؤمر به، ومفسدة لقوم في زمان آخر فينهى عنه.

ومن الأمثلة التي أوردها الكاتب روايات الحث على تناول الملح قبل الطعام وبعده وارتباط ذلك بالطقس وفقدان الجسم للأملاح بسبب الحر الشديد، وعدم انطباق ذلك على سكان شمال الكرة الأرضية، كما كان رأي الشيخ محمد مهدي شمس الدين رحمه الله.

وأورد الكاتب أمثلة على تغير الأحكام حسب تطور الزمان ومنها الربا الاستهلاكي، وطرق ثبوت الهلال بين الرؤية وقول الفلكيين، والاستفادة من لحوم الأضاحي.

وفي ختام بحثه - الذي اعتمد فيه على 72 مصدرا إضافة إلى صحف ومجلات - تحدث الكاتب تحت عنوان ”لماذا تتعثر محاولات التجديد؟“ عن أسباب تعثر التجديد وسبل تجاوز ذلك موردا آراء بعض العلماء من الشيعة والسنة.