آخر تحديث: 13 / 8 / 2026م - 8:37 م

النهضةُ المصريَّة والتجربةُ السُّعودية

محمد الحميدي * مجلة اليمامة

في خمسيناتِ القرن العشرِين وما سبقها، برزتْ في مِصر مجموعة من الاتجاهاتِ الأدبية؛ أبرزها أربعةٌ: الكلاسيكيةُ الإحيائيَّة ومثلها أحمد شوقي، وتجديدِية الدِّيوان ومثلها عباس العقاد، ورومانسيَّة أبولو ومثلها أبو القاسمِ الشابي، وواقعيَّة المهجر ومثلها جبرانُ خليل جبران. هذهِ الاتجاهات نضجت عبرَ الصُّحف والمجلات، وأحاديثِ الناس ومتابعاتهم وكتاباتهم، وانتماءِ الكثير من كُتَّاب وأدباء وشعراء العربِ إليها.

تجربةُ الثقافة العربيَّة ذلك الوقت جديرةٌ بالاستعادة التأمُّل لسببين: الأولُ الصراع الفكري والاستقطابُ الحاد بين الأدباءِ والمثقفين، فمن لا ينتمِي لإحدى هذهِ المدارس لا يتمُّ الالتفات إليه. الثاني التأسيسُ للاتجاهات والمدارسِ عبر إصدارِ بيانات؛ تحدِّد طرُق الكتابة، وتناول العملِ الأدبي، وكيفيَّة التفاعُل معه.

تأثيراتُ الخمسينات تعدَّت مصر إلى بقية العالمِ العربي، ولا زالت أصداؤها تتردَّد إلى اليوم، فمنْ لا يرى في أحمد شوقي شاعراً كبيراً مبدعاً قدَّم شعراً مختلفاً متمايزاً عن غيره، وكذلك الشأنُ مع كتابات العقادِ في مقالاته الثقافيَّة والنقديَّة وعبقرياته وسِيرته، والأمر ينسحبُ على الشابي وجبران في اتِّخاذهما الرومانسيَّة والواقعيَّة طريقاً إلى الأدبِ والإبداع.

لماذا بقيت تأثيراتُ النهضة الثقافيَّة المصرية في أذهانِ المثقفين العربِ على اختلاف توجُّهاتهم؟ الجواب لأنَّها رسمت أُسُس مرحلة تاريخية، استطاعت الثقافةُ العربية خلالها الانتقالَ من الجمودِ إلى التحرُّر، ومواكبةِ العصر والدخولِ في الحداثة؛ ما أضافَ لها أدواراً أخرى تتعلَّق بكيفية الاستفادةِ من المنجز الغربي، في إثراءِ الأدب والفكرِ والمعرفة.

الهدفُ من النهضة والحراكِ الحاصل إحداثُ أثرٍ في الإنسان، وهذا ما يجعلُ التجربة السعودية اليوم تتشابهُ مع التجربة المصرية تلكَ الفترة، فصانعُ المشهد اتَّخذ خطوات عدَّة لربط الأدبِ بالمجتمع؛ كالشريكِ الأدبي، ومهرجانِ القُرَّاء والكُتَّاب، والمهرجاناتِ الثقافية، ومعارضِ الكتب، وإقامةِ الندوات والمحاضراتِ والورش، ونشرِ الأدب في المطاراتِ والأماكن العامة، وتخصيصِ جوائز للكتابة الإبداعيَّة والنقديَّة.

لا يمكنُ تحقيق الهدفِ إلا بقياس الأثرِ الناتج عن التفاعُل بين الأدبِ والمجتمع، وهذا ما يتَّضح من إحصاءات وزارةِ الثقافة في تقرير الحالةِ الثقافية السُّعودية، إذ يحتفي بالإنجازاتِ وأعداد المتفاعلِينَ والمستفيدين، كما يذكرُ النواقص والأجزاءَ غير الموظفة، وبسببِ اشتماله على النقيضَينِ اكتسب مشروعيَّته وصِدقه، وهو ما ينبغي الاستفادةُ منه في بناءِ مشهد يتميَّز بالسِّيولة والتفاعُل.

المشهدُ الثقافي السُّعودي لم يعد خاملاً منذ إنشاء وزارةِ الثقافة، وإعطائها صلاحياتٍ واسعة لإعادةِ تشكيل المجتمعِ والأدب والفن، إذ رفعت عِبَارة ”الثقافة أسلوبُ حياة“، وعملت على تطبيقِها في أرض الواقع؛ ما تسبَّب بالعديد من التبايُنات، بين مؤيِّد للتغيرات ورافضٍ لها، فظهرتْ نتيجة لذلك تساؤلاتٍ وصراعاتٍ متفاوتة في الزخم والحضُورِ والتأثير.

الصراعاتُ والتساؤلات إحدى الأدواتِ الغائبة عن الاستثمارِ والتوظيف، حيثُ تدخل ضِمن «اللا مُفكَّر فيه» أو اللا مرغُوب به، لأنَّها ستجعل المشهدَ أكثر ميلاً للصدام والعِراك، وهذ الأمر يؤدِّي إلى تعطيلِ النهوض، لكنَّ التجربة المصرية أثبتت بأنَّ الصراعات والتساؤلات تبني ولا تهدم، إذ تشيِّد عالماً من الحركة السريعةِ والتغيُّرات العميقة، عِوضَ الاكتفاء بالثباتِ والجمود.

من أجلِ الاستفادة القصوى من الصراعاتِ والتساؤلات، واستثمارها وتوظيفِها في خدمة النهوض الثقافي، ينبغي العملُ على تحديد أجندتها وطريقتِها، وأسباب تمايُزها عن غيرها، وهنا يمكنُ تقسيم المدارسِ النقدية والشعريَّة في فضاء المملكة، فنقديًّا هنالك مدرستانِ بارزتان الأولى يقدِّمها د. سعد البازعي والثانيةُ يقدِّمها د. عبد الله الغذامي، أمَّا شعريًّا فثمة ثلاث مدارسَ الأولى بدأَها محمد الثبيتي والثانيةُ جاسم الصحيح والثالثةُ محمد يعقوب، وكلُّ واحدة تختلفُ عن الأخرى، رُغم عدم إعلانها وتصرِيحها بهذا.

هلْ يمكن أن يستفيدَ صانع المشهدِ الثقافي من الاختلافاتِ والتبايُنات الحادَّة، فيعمل على إثارةِ التساؤلاتِ والصراعات بين المدارسِ النقديَّة والشعريَّة، وذلكَ بإتاحة المنابرِ لها للتعبير عن نفسِها، وخصوصاً أن الدائرة ستأخذُ في الاتساع، معَ حضور القصَّة والمسرح والسِّينما والفنون والأزياءِ والتراث؟