آخر تحديث: 13 / 8 / 2026م - 8:37 م

عندما تتكامل الحوكمة مع التشغيل

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم * صحيفة اليوم

في القطاع الصحي، لا تُقاس جودة الخدمة بما يُكتب في الأدلة والسياسات فقط، وإنما بما يراه الموظف والمراجع كل يوم داخل المنشأة. فبين الوثيقة والتطبيق مساحة مهمة، وهي التي تصنع الفارق بين السياسات التي تُطبق بكفاءة، والممارسات التي تحتاج إلى مزيد من التطوير والتحسين.

شهد القطاع الصحي خلال السنوات الماضية تحولات كبيرة، كان هدفها رفع الكفاءة وتحسين جودة الخدمات، وهي خطوات مهمة وضرورية، وتعكس حجم الجهود المبذولة لتطوير المنظومة الصحية. ومع أي تحول كبير، تصبح المراجعة المستمرة عنصرًا مهمًا لضمان استدامة التطوير، لأن نجاح السياسات لا يقاس بجودة صياغتها فقط، بل بمدى فاعليتها وقابليتها للتطبيق في الميدان.

الموظف الصحي اليوم مطالب بالالتزام بمؤشرات أداء، وانضباط وظيفي، وتجربة مريض متميزة، وجودة وسلامة، وإنتاجية مرتفعة. وهي متطلبات منطقية، بل تمثل أساس أي منظومة صحية حديثة. لكن من المهم، في المقابل، أن تكون البيئة التشغيلية داعمة للموظف، وتمكّنه من أداء هذه المتطلبات بكفاءة.

فقد يواجه الموظف في بيئة العمل بعض التحديات التشغيلية، مثل الحاجة إلى سرعة معالجة أحد الأعطال، أو توفير بعض التجهيزات المناسبة، أو تسهيل الوصول إلى الأدوات التي يحتاج إليها في عمله اليومي. وقد تبدو هذه الأمور بسيطة، لكنها في واقع العمل الصحي يمكن أن يكون لها أثر في تجربة المريض، وسلامة الموظف، وجودة الأداء، وكفاءة استخدام الموارد.

ومن زاوية الحوكمة، لا يقتصر الأمر على التجهيزات، بل يمتد إلى وضوح المسؤوليات والصلاحيات. فوضوح الجهة المسؤولة عن معالجة التحديات التشغيلية، وسهولة الوصول إلى القرار المناسب، يساعدان على سرعة الاستجابة، ويعززان كفاءة العمل، خصوصًا عندما تكون المشكلة محدودة ويمكن التعامل معها على مستوى المنشأة.

إن الحوكمة لا تعني كثرة الإجراءات، وإنما وضوح القرار، وسرعة الاستجابة، وربط المسؤولية بالصلاحية. كما أن قرب صاحب القرار من تفاصيل الواقع اليومي يساعد على فهم التحديات بصورة أفضل، ويعزز قدرة المنظومة على التعامل معها بمرونة وكفاءة.

ولا يمكن الحديث عن الكفاءة دون التوقف عند بيئة العمل نفسها. فزيادة ساعات العمل، وارتفاع متطلبات الأداء، وتشديد الانضباط، جميعها قد تكون مبررة عندما تقابلها بيئة تشغيلية مناسبة، وتجهيزات ملائمة، وصيانة فعالة، وصلاحيات واضحة، وأدوات تساعد الموظف على أداء عمله بكفاءة. وهنا تبرز أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات الأداء وما يحتاج إليه الموظف لإنجاز مهامه بالشكل الأمثل.

ولعل من أبرز ما يميز التحول الصحي السعودي أنه يقوم على مبدأ التحسين المستمر. وهذا يعني أن المراجعة والتقييم يمثلان جزءًا طبيعيًا من نجاح المنظومة، ويساعدان على اكتشاف فرص التطوير وتعزيز كفاءة الأداء. فالمؤشرات لا ينبغي أن تقتصر على أعداد المراجعين أو زمن الانتظار، بل يمكن أن تشمل سرعة معالجة الأعطال، وتوافر التجهيزات الأساسية، ووضوح خطوط المسؤولية، وتمكين القيادات الميدانية من اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.

فالاستثمار المستدام في القطاع الصحي يبدأ أيضًا من تحسين بيئة العمل، وتقليل التحديات اليومية، وتمكين الميدان من أداء دوره بكفاءة. وعندما تتكامل الحوكمة مع التشغيل، تصبح الجودة نتيجة لتكامل الأدوار وتضافر الجهود، ويصبح التحسين المستمر جزءًا أساسيًا من رحلة تطوير المنظومة الصحية.

استشارية طب أسرة
مستشار الجودة وسلامة المرضى
مستشار التخطيط والتميز المؤسسي
كاتبة رأي