الحسين حيٌّ ونحن بين حياةٍ وممات
ليس كلُّ مَن يمشي على الأرض حيًّا، ولا كلُّ مَن غاب تحت الثرى ميّتًا؛ فقد ينبض الجسد والقلبُ خراب، وقد يسكن الجسد والروحُ عند ربّها في نعيمٍ واقتراب. فالحياة ليست حركةَ أقدام، بل يقظةُ ضميرٍ واستقامةُ مقام؛ والموت ليس انقطاعَ الأنفاس، بل انطفاءُ البصيرة واستسلامُ الإنسان للآثام.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ? فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ . فلم يقل سبحانه إنهم أحياءٌ في الذكر فحسب، بل قرّر أنهم أحياءٌ عنده، يُرزقون من فضله، ويفرحون بقربه؛ حياةٌ لا تدركها الأبصار، ولكن يوقن بها أصحاب البصائر والأفكار.
وقال جلّ شأنه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لَا تَشْعُرُونَ﴾ ؛ وكأن الآية تنهانا حتى عن لفظ الموت في حقّ الشهيد، لأننا نقيس الحياة بالحسّ، والله يقيسها بالقرب والقدس.
والحسين بن علي عليهما السلام سيدٌ من سادات الشهداء، خرج لله لا للجاه، ونهض للحق لا للرياسة، وبذل دمه لإحياء الرسالة لا لإحياء الذات. اختار دربه عن وعيٍ وإيمان، ونحن نختار دروبنا بين طاعةٍ وعصيان؛ هو اختار أن يموت واقفًا ليحيا الدين، وبعضنا يختار أن يعيش راكعًا للهوى فيموت فيه اليقين؛ وشتّان بين الاختيارين، وشتّان بين حياة الحسين وموت الغافلين.
الحسين حيٌّ؛ لا لأننا نذكره فقط، بل لأن مبادئه ما زالت توقظ النائم، وتردع الظالم، وتفتح للضائع معالم الطريق القائم. هو يبصرنا بنور أثره لا ببصر الجسد، ويرانا في ميزان موقفه: أين نحن من صلاته؟ أين نحن من عدالته؟ أين نحن من قوله للباطل: لا، حين كانت ال«لا» أثقل من الجبال وأغلى من الحياة؟
وفي زيارة عاشوراء نشهد له: «أشهد أنك قد أقمت الصلاة، وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر»؛ فالحسين لم يكن دمعةً بلا رسالة، ولا مأتمًا بلا مسؤولية، بل كان صلاةً تُقام، وحقًّا لا يُضام، وضميرًا لا ينام.
وقد رُوي: «إن لقتل الحسين حرارةً في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدًا»؛ لأنها ليست حرارة حزنٍ عابر، بل حرارة عهدٍ حاضر: أن نحارب الظلم في نفوسنا قبل أن نلعنه بألسنتنا، وأن نترك المعصية قبل أن نزعم النصرة، وأن نُحيي الحسين في أخلاقنا قبل أن نبكيه في مجالسنا.
فيا ابن رسول الله، أنت حيٌّ عند ربك، حيٌّ في ضمير أمتك، حيٌّ في كل موقفٍ يُنصر فيه مظلوم، ويُردع فيه ظالم، ويُقدَّم فيه الحق على الغنائم. أمّا نحن، فمتى ما أطفأت المعاصي بصائرنا، وقيّدت الشهوات ضمائرنا، صرنا أحياء الأجساد موتى الأرواح، مبصرين بالعيون عميانًا عن الفلاح.
سلامٌ على الحسين يوم وُلد طاهرًا، ويوم استُشهد صابرًا، ويوم يُبعث عند ربّه حيًّا ظافرًا.













