علّموه، صفّقوا له، ثم اضربوه! حين كان الخوف حصةً دراسية
كثر الحديث خلال العقود الأخيرة عن العنف المدرسي، بمختلف صوره الجسدية والنفسية، سواء كان بين الطلاب أنفسهم، أو موجهاً من المعلم إلى الطالب، أو العكس. ومع تطور الوعي التربوي لم يعد كثير مما كان يُنظر إليه سابقاً باعتباره جزءاً طبيعياً من «تربية الطالب» مقبولاً كما كان.
وما يعنيني هنا تحديداً هو عنف المعلمين ضد الطلاب؛ ليس من زاوية الدراسات والنظريات التربوية، وإنما من ذاكرة طالب عاش زمناً كانت فيه العصا تكاد تكون واحدة من الأدوات التعليمية المعتمدة، وإن لم تكن مدرجة في جدول الحصص.
عندما انتقلت إلى المرحلة الابتدائية، كانت الصدمة بالنسبة إليّ كبيرة.
كنت قادماً من ثلاث سنوات في الروضة، محاطاً ب«الأبلات» - وهي التسمية التي كنا نطلقها على المعلمات - وبعالم هادئ نسبياً، لأجد نفسي فجأة في مدرسة كبيرة لا أعرف نظامها ولا فصولها ولا حتى وظيفة ذلك الجرس المزعج الذي كان صريره أقرب إلى إنذار الدفاع المدني منه إلى جرس مدرسة.
في ثاني يوم لي، انتهت الفسحة ورن الجرس، ولم أكن أعرف ماذا يفترض بي أن أفعل.
لكنني تعلمت سريعاً قاعدة عملية مهمة: إذا رن الجرس، فاركض.
فبمجرد أن يرن، يظهر عدد من المعلمين، بالعصي المرفوعة والأصوات العالية، لتبدأ عملية إعادة الطلاب إلى الفصول بأسرع طريقة ممكنة.
وبينما كنت واقفاً لا أعرف أين أذهب، نزلت على ظهري ضربة ساخنة، والتفت مذعوراً لأجد معلماً يقول:
«يلا على فصلك!»
ركضت.
المشكلة أنني لم أكن أعرف أين فصلي أصلاً.
كنت في الصف الأول، وفي ثاني يوم دراسي من حياتي، وما زلت أحاول استيعاب الانتقال من عالم الروضة إلى هذا العالم الجديد. وبعد شيء من الارتباك، أدرك أحد المعلمين المشكلة، وتلطف بي وأخذ يبحث معي بين الفصول حتى وجدنا فصلي.
مرت السنوات، وبقيت العصا حاضرة بدرجات متفاوتة.
بعض المعلمين كانوا يضربون، ومع ذلك بقيت لهم في ذاكرتنا مكانة واحترام؛ لأننا، على الأقل، كنا نشعر أن وراء شدتهم رغبة حقيقية في أن نتعلم. والله يذكر الأستاذ سعيد بوزيد بالخير؛ علّمنا جدول الضرب، وبشيء من «الضرب» أيضاً، ومع ذلك ظل من المعلمين الذين نحمل لهم التقدير.
وهذا لا يجعل الضرب وسيلة تربوية صحيحة، لكنه يوضح الفرق الذي كان الطفل نفسه يشعر به بين معلم شديد وبين معلم يتحول العقاب عنده إلى غاية بحد ذاته.
فالنوع الثاني كان مختلفاً.
كنت أحياناً أشعر أن بعضهم لا يستخدم الضرب لضبط الصف أو معالجة خطأ، وإنما لأنه يجد في التخويف والإهانة أسهل وسيلة لفرض سلطته. وهنا يصبح الأثر النفسي أشد من ألم العصا نفسها؛ فالضربة تزول، بينما قد تبقى الطريقة التي أُهين بها الطفل عالقة في ذاكرته سنوات طويلة.
ومن أكثر التجارب التي بقيت في ذاكرتي ما حدث في الصف الخامس الابتدائي.
كان لدينا معلم رياضيات متدرب في فترة التطبيق الميداني قبل التخرج، وكان شديد الولع بابتكار وسائل العقاب للطلاب الذين لا يحلون واجباتهم.
ومن أشهر ابتكاراته أن يضع القلم بين إصبعين من أصابع الطالب ثم يضغطهما عليه بقوة.
كانت صرخات الطلاب بسبب هذه الطريقة تصل أحياناً إلى الفصول المجاورة.
ولم يكن العقاب جسدياً فقط؛ كانت هناك الشتائم أيضاً، وبعضها يُكتب في دفاتر الطلاب نفسها، وكأن دفتر الواجب ليس سجلاً لتحصيل الطالب وإنما مساحة مفتوحة للتعبير عن الغضب.
ولهذا بذلت جهدي في مادته.
لم يكن الدافع كله حباً في الرياضيات؛ جزء معتبر منه كان غريزة البقاء.
وفي أحد الأيام أنجزت واجبي على أكمل وجه، وسلمت الدفتر وأنا منتظر اليوم التالي بثقة كبيرة. كنت أتخيل المشهد مسبقاً: يناديني الأستاذ، يفتح دفتري، يرى الإجابات الصحيحة، ثم يقول أمام الطلاب:
«عفية عليك يا إبراهيم... شاطر شاطر، صفقوا له!»
وفي خيالي، صفق الجميع طبعاً.
جاء اليوم التالي، ووصل دوري.
أمسك الأستاذ الدفتر، ثم رماه بكل قوته على وجهي وقال:
«وش هالإجابات يا التعبان؟!»
فتحت الدفتر مصدوماً.
وجدت إجابات لا أعرفها، وبخط لا يشبه خطي، وقد غطتها علامات × حمراء كثيرة، ثم جاءت الخاتمة التربوية البليغة مكتوبة بالأحمر:
«يا حمار»
نظرت إلى الدفتر، ثم إلى الأستاذ، وأخبرته أن هذا ليس دفتري.
تأكد من الاسم، واكتشف الخطأ.
أخذ الدفتر مني.
ثم أعطاني دفتري الصحيح.
وانتهى الموضوع.
لا اعتذار، ولا «آسف يا إبراهيم»، ولا حتى ذلك التصفيق الذي كنت قد أعددت له المشهد كاملاً في رأسي!
وللمفارقة، لم أصبح بعد ذلك من ضحاياه؛ فقد كنت متفوقاً في الرياضيات، وجرى تكريمي في نهاية العام بترشيح منه أيضاً.
وآخر ما وصلني عن ذلك المعلم، بعد سنوات، أنه أصبح مديراً لإحدى المدارس في الأحساء!!
لا أروي هذه القصص اليوم بحثاً عن محاكمة معلمين مرّ عليهم الزمن، ولا لأن كل معلم استخدم العصا كان بالضرورة معلماً سيئاً. نحن نتحدث عن مرحلة كانت فيها مفاهيم التربية مختلفة، وكان كثير من الآباء أنفسهم يرون في شدة المعلم دليلاً على حرصه.
لكن تغير الزمن يمنحنا فرصة للنظر إلى تلك الممارسات بصورة أوضح.
فالطفل قد ينسى السؤال الذي أخطأ في إجابته، وقد ينسى الواجب الذي لم يحله، لكنه لا ينسى بسهولة معلماً أهانه أمام زملائه، أو خوّفه، أو جعله يدخل الفصل وهو منشغل بتجنب العقوبة أكثر من انشغاله بفهم الدرس.
والمدرسة يفترض أن تكون المكان الذي يخطئ فيه الطفل لكي يتعلم، لا المكان الذي يتعلم فيه أن الخطأ يستحق الإهانة.
ربما نجحت العصا يوماً في جعل طالب يحفظ جدول الضرب.
لكن التربية الحقيقية هي أن يتعلمه دون أن يحتاج، بعد ثلاثين سنة، إلى أن يتذكر العصا معه.













