آخر تحديث: 13 / 8 / 2026م - 8:37 م

أعلام القطيف وزائروها: مشروع توثيقي جديد يعيد الاعتبار لمئتي عالم من ذاكرة القطيف العلمية

حسين منصور الشيخ *

• الكتاب: أعلام القطيف وزائروها: أطراف من تراجم مستقاة من آثارهم الباقية من القرن الثامن حتى نهاية القرن الثالث عشر.

• تأليف: الأستاذ نزار حسن آل عبد الجبار.

• نشر: مؤسسة الدارين للإنتاج الثقافي - القطيف.

• الطبعة: الأولى 1448? - 2026 م.

• القطع والصفحات: 653 صفحة من القطع الوزيري.

صدر حديثًا كتاب ”أعلام القطيف وزائروها: أطراف من تراجم مستقاة من آثارهم الباقية من القرن الثامن حتى نهاية القرن الثالث عشر الهجري“، لمؤلفه الباحث الأستاذ نزار حسن آل عبد الجبار، في طبعته الأولى لعام 1448 ه/2026 م. ويأتي الكتاب استكمالًا لمشروع توثيقي بدأه المؤلف في كتابه السابق ”أعلام القطيف في الوثائق القطيفية“، إذ يضم تراجم لشخصيات لم يرد ذكرها في ذلك الكتاب، إضافة إلى من عاش أو نشط في القطيف قبل الإطار الزمني الذي اعتمده هناك، بحيث امتد الزمن بالعمل الجديد ليغطي الفترة من القرن الثامن الهجري حتى نهاية القرن الثالث عشر.

محتوى الكتاب وتقسيمه

يقع الكتاب في ستة أبواب، خُصص كل باب منها لقرن هجري واحد، بدءًا من القرن الثامن وانتهاءً بالقرن الثالث عشر، ويضم بين دفتيه أكثر من مئتي ترجمة «224 ترجمة بحسب فهرس الكتاب» لشخصيات علمية ارتبطت بالقطيف. وقد صنّف المؤلف هذه الشخصيات، بحسب ما أوضحه سماحة الشيخ محمد علي الحرز في تقديمه، إلى ثلاث فئات، هي: العلماء المحليون من أبناء القطيف، والعلماء الوافدون إليها من المناطق المجاورة كالبحرين والأحساء، والعلماء المهاجرون منها إلى حواضر علمية أخرى، كالنجف الأشرف وشيراز ومشهد والمدينة المنورة.

ولا يقتصر الكتاب على التراجم فحسب، بل يتضمن في متنه مادة وثائقية مكملة، من أبرزها دراسة لـ ”قانون نامه لواء القطيف“ الصادر سنة 959 هـ، وهو سجل عثماني يوثق سكان قرى القطيف وحِرَفِهِم وأنشطتها الاقتصادية والاجتماعية في منتصف القرن العاشر الهجري، وقد أورد المؤلف نماذج من الأسماء الواردة فيه بحسب المحلات والقرى.

تقديم الشيخ الحرز: أضواء على الحركة العلمية في القطيف

جاء الكتاب مصحوبًا بتقديم كتبه سماحة الشيخ محمد علي الحرز، الباحث والمؤرخ البارز، بعنوان «أضواء على الحركة العلمية في القطيف»، رسم فيه صورة عامة عن المدرسة العلمية القطيفية عبر تاريخها، مشيرًا إلى أن المنطقة «لقبت في بعض مراحلها التاريخية... بـ «النجف الصغرى»» لكثرة من تخرّج منها من العلماء. وتناول التقديم، إلى جانب تصنيف الأعلام إلى الفئات الثلاث السابقة، ثلاثة روافد رأى أنها أسهمت في استمرار الحراك العلمي في القطيف عبر العصور: الأسر العلمية التي توارثت العلم جيلًا بعد جيل، كآل عبد المحسن وآل عرفات وآل عبد الجبار وآل حميدان وآل أبي ذيب، والمدارس الدينية التي قامت في المساجد والمجالس والبيوت العلمية كمدرسة آل عبد المحسن ومدرسة آل حميدان ومدرسة آل عبد الجبار، وخزائن الكتب الخاصة التي وثّق الشيخ الحرز عددًا منها بالاعتماد على مادة الكتاب نفسه، من قبيل: خزانة الشيخ عبد علي بن محمد بن قضيب التاروتي، وخزانة السيد محمد بن شرف الدين الصنديد، وخزانة الشيخ محمد بن ناصر القطيفي، وغيرها.

وخصص الشيخ الحرز فقرة من تقديمه بعنوان «الكاتب والكتاب» لتقويم العمل ومنهجه، فوصف المؤلف بأنه «من سدنة وحراس التراث القطيفي»، وأوجز ما يميز الكتاب في عدة نقاط، من أبرزها أن مادته «استقيت معظم معلوماتها من المخطوطات»، ولم تعتمد على المصادر المطبوعة إلا فيما يخدم التعريف بالشخصية، وأن الكتاب يشتمل على «كمية كبيرة من صور المخطوطات»، وأن التراجم المرصودة فيه تجاوزت المئتي شخصية. كما اعتبر الشيخ أن الكتاب «يشكل إضافة جديدة وكبيرة لما كتب قبله عن تراجم علماء القطيف»، وأنه ثمرة «أكثر من ثلاثين سنة من البحث والجمع والمراجعة» لتراث القطيف المخطوط، وهو ما يجعله - بحسب تعبيره - إضافة للمكتبة العربية عمومًا والقطيفية خصوصًا.

منهجية الكتاب

يقوم منهج المؤلف، كما يظهر من مقدمته ومن نماذج التراجم، على تتبع الأثر العلمي للشخصية من خلال ما تركته من مخطوطات ومطبوعات أو إشارات، مستعينًا بأدوات مثل قيود التملك، والإجازات العلمية، وأعمال النسخ والاستنساخ، والتأليف. وتتخذ كل ترجمة في الغالب الشكل ذاته: إيراد اسم الشخصية ونسبتها وتاريخها التقريبي إن وجد، وعرض ما تيسر من سيرتها ومصنفاتها أو منسوخاتها، ثم توثيق ذلك بالإحالة إلى مصدره من مخطوط أو مرجع مطبوع في الهامش، مع الإشارة أحيانًا إلى مكان حفظ المخطوط ورقمه في فهرس المكتبة أو الخزانة التي يوجد فيها. ويلجأ المؤلف في غير قليل من التراجم إلى إيراد نصوص قيود التملك والاستنساخ بحروفها، بما يتيح للقارئ والباحث الاطلاع المباشر على المادة الأولية التي بُنيت عليها الترجمة، لا على خلاصة معدّة عنها فحسب.

ويستند العمل، من حيث مصادره، بالدرجة الأولى إلى المخطوطات المحفوظة في مكتبات الأسر القطيفية الخاصة، وهو ما يفسر ورود عدد كبير من الصور الفوتوغرافية لهذه المخطوطات ضمن صفحات الكتاب. كما يوازي المؤلف بين هذا المصدر الأولي وبين المصادر المطبوعة المتقدمة في تراجم أعلام القطيف والأحساء والبحرين، مثل «أنوار البدرين» للشيخ علي البلادي، و«تحفة أهل الإيمان» و«مستدرك» الشيخ فرج العمران وغيرها، موضحًا في مقدمته أنه استوعب هذه المصادر في دراسة سابقة نشرها في مجلة الواحة حول مصادر تراجم أعلام المنطقة الشرقية.

قيمة الكتاب وإضافته للتأريخ لمنطقة القطيف

تكمن القيمة الأساسية لهذا العمل في كونه محاولة توثيقية مبنية على المصدر الأولي، أي المخطوط نفسه، لا على إعادة تدوير ما ورد في كتب التراجم السابقة، وهو ما يمنحه صفة الإضافة الفعلية لا التكرار. فمن بين مئتين وأربع وعشرين ترجمة يضمها الكتاب، يظهر عدد غير قليل من الشخصيات التي لم تحظَ بترجمة مستقلة في المصادر المطبوعة المتاحة من قبل، مما يعني أن الكتاب لا يعيد تقديم المعروف من أعلام القطيف فحسب، بل يخرج من طي النسيان أسماء لم تكن حاضرة في الذاكرة التوثيقية للمنطقة. كما يسهم العمل، من خلال تتبعه لحركة نسخ الكتب وتداولها وتنقّل ملكيتها بين العلماء، في رسم صورة أوضح عن شبكة العلاقات العلمية داخل القطيف وبينها وبين حواضر علمية أخرى كالنجف والبحرين والأحساء وفارس، وهي صورة تتجاوز التعريف بالأفراد إلى الكشف عن بنية الحياة العلمية والاجتماعية في المنطقة عبر ستة قرون.

جهد المؤلف في جمع المادة

يُستدل على حجم الجهد الذي بذله المؤلف في إعداد هذا العمل من عدة مؤشرات وردت في الكتاب نفسه وفي تقديمه: فقد أشار سماحة الشيخ الحرز إلى أن العمل جاء ثمرة أكثر من ثلاثين عامًا من البحث والجمع والمراجعة لتراث القطيف المخطوط، فيما أوضح المؤلف في مقدمته أنه اعتمد على الاطلاع المباشر على مئات النسخ المخطوطة الأصلية، عبر علاقاته بعدد من الأسر القطيفية المالكة لهذه المخطوطات وبهواة جمعها، إلى جانب رجوعه إلى فهارس المكتبات والمخطوطات في إيران والعراق. ويتجلى هذا الجهد كذلك في اشتمال الكتاب على عشرات الصور الفوتوغرافية للمخطوطات ونصوص قيود التملك والإجازات المنقولة بحروفها، وهو عمل يستلزم مسحًا ميدانيًا وتحقيقًا نصيًا يصعب إنجازه دون سنوات من المتابعة والتنقيب.

ويشير المؤلف في مقدمته إلى أن هذا الكتاب لا يزال حلقة في مشروع أوسع، إذ يصفه بأنه «لا يدعي الإحاطة»، ويُبقي الباب مفتوحًا أمام أسماء كثيرة لم تُكتب سيرتها بعد، في إشارة إلى أن العمل التوثيقي لتراث القطيف العلمي - على اتساع ما أنجز فيه هذا الكتاب - ما زال قابلًا للاستمرار والتوسع.

كاتب سعودي «القديح»