آخر تحديث: 13 / 8 / 2026م - 8:37 م

حين يستمر العالم من دوننا!!

سراج علي أبو السعود *

أفكّر في خلواتي كثيرًا في الموت. لست متأكدًا من السبب؛ أهو لأن الإنسان كلما تقدم به العمر صار أكثر التفاتًا إلى نهاية الطريق؟ أم لأن الأشياء التي كانت تبهجنا يومًا لم تعد تفعل ذلك كما كانت؟ كنا صغارًا نلعب الكورة في «الفريق» من شَبَّة الشمس إلى المغرب، وكان اليوم، على بساطته، ممتلئًا بالحياة. كبرنا الآن، وأصبحنا نتوق، ولو للحظات، إلى شيء من سعادة الأطفال. وربما لهذا لا أحتمل أن أرى والدًا يقيّد طفله بكثرة الأوامر: دعه يا سيدي يلعب، دعه يتكلم، دعه يملأ المكان ضجيجًا؛ فسيأتي يوم يصمت فيه مُرغمًا! وأتساءل أحيانًا: ماذا لو عرفت موعد موتي؟ يوم ثلاثاء عند المغرب مثلًا؟ تعجبني حسينية السنان، ومن الجميل أن تكون فاتحتي فيها؛ صباحًا وعصرًا، كما هو المعتاد لدينا. قد يجد اثنان نفسيهما في الفاتحة وجهًا لوجه بعد طول غياب، فيتعانقان، فتغدو فاتحتي يوم أُنسٍ لهما. وقد يكون الاتحاد مهزومًا في ليلتها، فيجلس أحد محبيه ضائقًا بهزيمته أكثر من ضيقه عليَّ، أنا الميت! وآخر يتذكر إساءة قديمة بيني وبينه فيقول: عند الله الملتقى، وثالث يترحم عليَّ مستذكرًا موقف خير جمعنا يومًا. ثم ينصرف الجميع… وتستمر الحياة.

في عملي، وفي المقهى، وفي المجالس، طالما تأملت وجوه الناس وتساءلت: هل أنا في حلم، وكل هؤلاء مجرد صور عابرة؟ وهل النوم هو اليقظة بعينها؟ وما معنى أن نفرح ونحزن، ونحب ونكره؟ وهل سأكون أسعد لو امتلكت سيارة جميلة؟ وإذا كنت سأعتادها بعد حين، فما قيمة الأشياء التي نظن أن امتلاكها سيجعلنا سعداء؟ أحيانًا يُخيّل إليَّ أن موتي هو نهاية العالم، مع أن كثيرين ماتوا قبلي، وجلسنا في فواتحهم تتنقل أحاديثنا بين عين اللبانية ووكالة ناسا، وبين براحة الحليب وميدان الكونكورد، ثم عدنا إلى بيوتنا واستأنفنا حياتنا. سأموت يومًا عند المغرب مثلًا، وسيكون تشييعي عصر اليوم التالي قريبًا من المغرب تفاديًا للحر. سيصرخ أحدهم: «اذكر الله يغافل»، ثم أُدفن، ويُصب الماء على قبري، ويضع المحبون أصابعهم فيه ويقرؤون الفاتحة. بعدها سيتفق الأصدقاء على أنهم يحتاجون إلى «شاور» قبل أن يلتقوا ليلًا، أما أنا فسأكون في غرفة القبر، نائمًا ربما إلى حيث اليوم الموعود. ولو قُيِّض لي أن أنهض بعد حين، فلن أجد شيئًا كثيرًا قد تغير؛ شارع القدس والهدلة ما زالا يحتاجان إلى الصيانة، والاتحاد سجل هدفًا ألغاه الحكم، والناس ما زالوا يذهبون إلى أعمالهم ومقاهيهم، ويحسب كل واحد منهم، في مكان خفي من نفسه، أن العالم مرتبط قليلًا بوجوده.

فمن نحن إذن في هذا العالم الواسع؟ ولماذا نأخذ أنفسنا بكل هذه الجدية، كأن للأرض أن تتوقف قليلًا إذا غبنا عنها؟ ما أسرع ما تكشف فكرة الموت هشاشة ما نتباهى به، والخصومات التي نستنزف أعمارنا فيها. ومع ذلك، فإن قدرة العالم على الاستمرار من دوننا لا تعني أننا بلا قيمة؛ فالعالم لم يتوقف لموت الذين أحببناهم، ومع ذلك نعرف كم ترك غيابهم فينا. وستمضي الأيام، حتى يأتي يوم لا يذكر فيه أحد أن رجلًا اسمه سراج عاش هنا يومًا، وفرح وحزن، وأحب وكره. فهل يختفي الإنسان حين يُنسى اسمه، أم يبقى منه شيء في الذين أحبهم، وفي كلمة قالها، أو معروف صنعه، أو ألم تركه في قلب أحد؟ لا أدري. لكن ربما ليس السؤال: كم سيذكرنا الناس بعد الموت؟ بل: ماذا سيبقى منا حين لا يعود أحد يذكر أسماءنا؟