آخر تحديث: 12 / 8 / 2026م - 12:40 م

تكاليف «قُوا»

المهندس أمير الصالح *

خطوط الدفاع

في مباريات كرة القدم، يضع المدرب خططًا متنوعة مركزها الدفاع وطموحها الهجوم لتحقيق النصر وإحراز البطولة. ويتم توزيع المهام والأدوار على أعضاء الفريق طبقًا للاستراتيجية المعتمدة والفهم التام من قبل جميع الأطراف. وفي صناديق الاستثمار، يضع مدير الصندوق خططًا متنوعة مركزها حفظ رأس المال للمساهمين والسعي لاقتناص الفرص بهدف تحقيق النمو في رأس المال وإيجاد مخارج دون أضرار أو بأقلها في أوقات وقوع الأزمات الطارئة. في معترك الحياة، نسأل بعض أولياء الأمور «ربان المركب وقائد الأسرة»: ما خطط الدفاع الأولية المعتمدة لديك لحماية أفراد أسرتك؟! قد نسمع أجوبة متنوعة ونورد منها على سبيل المثال لا الحصر:

1 - التمسك بتعاليم الدين والأخلاق الحميدة

2 - اعتماد أساليب التربية الحديثة

3 - اعتماد أساليب التربية القديمة

4 - المراقبة اللصيقة لكل أصدقاء الأولاد وأماكن تردد الأولاد ومراقبة المحتوى الإلكتروني الذي يتصفحونه

5 - الحوارات المفتوحة والهادفة والهادئة بين أفراد الأسرة

6 - تفعيل الجزاء والعقاب للمذنب دون المكافأة للمحسن

7 - تفعيل خاصية العصا والجزرة

8 - إعطاء الثقة المطلقة لكل فرد لخوض كل أنواع التجارب والتدخل للتصحيح وقت إدراك وقوع خطأ ما وحسب الضرورة

9 - خليط من كل ما ذُكر أعلاه

الحصن الحصين

احتواء الأولاد وفتح باب الحوار وحسن الإرشاد ووجود القدوة الحسنة داخل المنزل «الأب والأم» ومناقشة أي سلوك عارض أو مفهوم لفكرة خاطئة بطريقة ناضجة يحقق جزءًا من الوعي. ومع الوقت، فإن اعتماد مناقشة دورية لتوضيح المعايير الفكرية البناءة لتحقيق الوعي مع تفعيل خاصية التفكير النقدي البنّاء «Critical Thinking».

أثبتت الأيام والتجارب أن الأقلية البشرية الواعية الفاعلة خير من الأكثرية الهوجاء في صنع الأحداث المهمة وزرع القيم. لأن الوعي هو الحصن الحصين. ففهم القرآن الكريم فهمًا حقيقيًا حصن؛ وقراءة سيرة الأنبياء وقصصهم قراءة توظيفية ومنهج حياة أيضًا وعي؛ وفهم دلالات الآيات والحكم هو وعي؛ وتوظيف المعلومات الصحيحة واستنطاق المفاهيم الدقيقة في حياة الإنسان، أيضًا وعي. وقراءة التاريخ بشكل موضوعي لاستنطاق العبر واستثمار الدلالات هو وعي. فالوعي حصن حصين للإنسان الواعي بحق.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم: 6]، ما زال عدد غفير من الناس لم يلمس أبعاد تلك الآية في حياته. فالبعض قد يتشدق بأنه وأبناءه يذهبون لدور العبادة ولكن لا يتورع عن إيذاء الجيران واغتصاب حقوق الآخرين. وقد يتشدق البعض بأنه وأفراد أسرته معتدلون، في الوقت الذي يعيش هو أو بعض أبنائه حياة مزدوجة بين التظاهر بالتقوى أمام أبناء المجتمع والممارسة للمحرمات بكل تسافلها في الخفاء. وهناك من يتغنى بأنه/أنها أتى/أتت من بيت يثق والداه في سلوكه لتكتشف مع الأيام بزيف سلوك ذلك المدعي وشدة نفاقه وازدواجية معاييره. ولكل متحقق من هذا الكلام من مواقع سناب شات وتيك توك وفيسبوك وتويتر شواهد عديدة على ذلك. الآية الكريمة تدعو الجميع بإصلاح النفس أولًا والسعي الدؤوب لوقاية الأقرب فالأقرب من الزلل والوقوع في نار الفتن أو الرذيلة أو مغريات متع الحرام أو الشهوات المحرمة أو الرشوة أو الخيانة أو الرياء.

تكاليف الوقاية للنفس والأسرة

الكثير من الناس يزعم ويدّعي أمورًا مثالية عدة، ولكن القليل منهم سعى ويسعى ويبذل من أجل تحقيق ذلك. فالكثير يدّعي حبه لصفة الإيثار ولكنه لا يمارسه مع الآخرين، لأنه شخص أناني ويحب الخير فقط لنفسه؛ ولذا تشاهد مستوى الحسد وتكرار المقارنة الخاطئة يفتك بمحيط ذلك الفرد!

وكذلك ترى الكثير يدّعي حبه للصدق والأمانة، ولكنك ترى نفس الشخص عليه مطالب مالية ولديه معاملات قائمة على الكذب والخداع والتضليل والمراوغة والنهب والغش والتدليس والتزوير واللعب بالقوائم المالية. ولذا تشاهد أقليات ومجتمعات بشرية لدى بعض أفرادها ثروات مكدسة، ولكن عددًا ليس بالقليل من أفرادها لا يثق أحدهم بالآخر؛ والأدهى أن أولئك يكتنزون أموالهم في البنوك، فيما أن آخرين يحملون صفة الأمانة والصدق في التعامل يقترضون من البنوك ويطلقون أعمالهم من مصانع ومتاجر تدر عليهم أرباحًا وتوظف أبناءهم وتوسّع أرزاقهم!! الأغلب يتكلم عن بعض المُثل العليا، ولكن هل لديهم استعداد أن يدفعوا ثمن ذاك؟! قد يكون الثمن للحفاظ على القيم العليا داخل الأسرة والحفاظ عليها هو التضحية بالمال أو الوقت أو الطموح الشخصي أو فرصة عمل في مكان بعيد عن أفراد الأسرة أو تغيير مكان السكن للابتعاد عن جيران السوء أو الانتقال من مجتمع لآخر للحفاظ على السلوكيات المحمودة والألفاظ الحسنة.