كي لا تغيب القدوة
لماذا تحتفي الأمم بذكرى استقلالها، وتستعيد أيام انتصاراتها، وتقيم النصب لجنودها، وتحيي ذكرى ضحايا حروبها، وتحتفل الجامعات بمئويات تأسيسها، والشركات بتاريخ انطلاقها، والمدن بأيامها الوطنية، والعائلات بسير رجالاتها؟ أهو تعلقٌ بالماضي، أم صناعةٌ للمستقبل؟ أهو تكرارٌ للحدث، أم استحضارٌ للعبرة والمقصد؟
الحقيقة أن الأمم لا تحيي الذكريات لأن الماضي يحتاج إليها، بل لأن الحاضر يحتاج إلى معانيها، والمستقبل يحتاج إلى دروسها. فالحدث الذي لا يُروى يُنسى، والشخصية التي لا تُعرَّف تُجهل، والقيمة التي لا تُذكَّر بها الأجيال تضعف حتى تزول.
ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ ، وقال سبحانه: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . فالذكرى في منطق القرآن ليست رجوعًا إلى الوراء، بل إضاءةٌ للطريق، وليست إقامةً في التاريخ، بل أخذٌ من التاريخ للمسير.
فإذا كان الناس يخلّدون قائدًا عسكريًا، أو عالمًا، أو مؤسس شركة، أو بطلًا رياضيًا، أو شخصيةً فنية؛ فكيف برسول الله محمد ﷺ، الذي قال الله فيه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ؟
أيُّ قدوةٍ أولى أن نزرعها في قلوب أبنائنا من قدوته؟ وأيُّ سيرةٍ أحق أن يعرفها أحفادنا من سيرته؟ وأيُّ بطلٍ أولى بالإعجاب ممن واجه الجهل بالعلم، والقسوة بالرحمة، والفرقة بالأخوة، والظلمات بالنور؟
لقد وصف القرآن أثر رسالته بقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ، ووصف مقامه الأخلاقي بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ، ووصف رحمته بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ .
ومن هنا فإن إحياء مولده، واستذكار وفاته، وقراءة سيرته، والحديث عن أخلاقه، ليس المقصود منه مجرد مناسبة تنقضي بانقضاء يومها؛ بل أن يعود محمد ﷺ إلى بيوتنا خُلُقًا بعد أن كان اسمًا، وقدوةً بعد أن كان قصة، ومنهجًا بعد أن كان ذكرى.
والخطر ليس في ألا نقيم مناسبة؛ وإنما في أن ينشأ جيل يعرف أبطال الأفلام أكثر مما يعرف نبيه، ويحفظ تفاصيل المشاهير ولا يعرف شمائله، ويتتبع سير اللاعبين والفنانين ولا يعرف كيف عاش رسول الله، وكيف عامل أهله، وكيف رحم ضعيفه، وكيف عفا عمّن أساء إليه.
وفي الحديث الصحيح عنه ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين». والمحبة التي لا تعرف المحبوب معرفةً حقيقية قد تضعف، أما المحبة التي تتغذى بالسيرة والذكر والاقتداء فتورق عملًا وأخلاقًا وآثارًا.
وقد رأينا كيف أثارت الرسوم المسيئة للنبي ﷺ في أوروبا موجات واسعة من الاحتجاج والنقاش العالمي، وكيف تحولت القضية نفسها إلى بابٍ دفع بعض غير المسلمين إلى السؤال والقراءة عن محمد والإسلام. فالجدل حول الرسوم الدنماركية عامي 2005 و 2006 أصبح قضية عالمية واسعة، ثم عادت قضايا مشابهة لاحقًا إلى صدارة النقاش الأوروبي حول الإسلام والنبي وحرية التعبير. كما نشرت تقارير صحفية بعد أحداث Charlie Hebdo عن ارتفاع أعداد من أعلنوا إسلامهم في بعض المساجد الفرنسية آنذاك؛ والأدق ألا نجعل ذلك نتيجة مباشرة للحادثة وحدها، ولكن المؤكد أن الجدل دفع أناسًا إلى البحث والسؤال والتعرّف.
وهنا المفارقة: قد يسيء عدوّ إلى النبي فيدفع إنسانًا بعيدًا إلى البحث عنه، بينما يكون النبي قريبًا من مسلم ولا يدفعه ذلك إلى قراءة سيرته!
إن إحياء ذكرى رسول الله ﷺ ليس إضافةً إلى عظمته؛ فعظمته لا تحتاج إلينا، وإنما نحن الذين نحتاج إليها. لا نحيي ذكراه خوفًا عليه من النسيان، بل خوفًا علينا من أن ننسى طريقه.
فلنحدّث أبناءنا عنه، ولنقرأ معهم سيرته، ولنُرهم رحمته وعدله وأمانته وحلمه وتواضعه، حتى يكون قدوتهم قبل أن تختطف القدوات المصنوعة عقولهم.
فالأجيال لا تولد وهي تعرف عظماءها؛ نحن الذين نعرّفها بهم.
وإذا كانت الأمم تحفظ أيامها كي لا يضيع تاريخها، فإن أمة محمد أولى أن تحفظ سيرة محمد؛ لأن في سيرته تاريخ أمة، وفي خُلُقه نهضة مجتمع، وفي هديه صلاح إنسان، وفي ذكره تذكيرًا بالإيمان: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .













