آخر تحديث: 26 / 8 / 2026م - 12:02 ص

رحيل النبي محمد (ص).. فاجعة الأمة وخلود الرسالة

أحمد منصور الخرمدي *

مثّل ظهور الإسلام تحولًا عميقًا في حياة المجتمع العربي وفي منظومته الأخلاقية والاجتماعية، إذ جاء برسالة دينية حملت مبادئ العدل والرحمة وصون كرامة الإنسان، وسعت إلى تغيير كثير من الممارسات والأفكار التي كانت سائدة قبل البعثة النبوية.

وقد أذن الله سبحانه وتعالى أن ينير القلوب بمبعث خير الخلائق أجمعين، حاملًا قرآنًا منزلًا ونهجًا سماويًا، أسهم في بناء منظومة متكاملة من القيم الأخلاقية والسلوكية والاجتماعية، وجعل كرامة الإنسان والرحمة به في صميم الرسالة.

واختار الله سبحانه وتعالى نبيه محمدًا ﷺ ليحمل خاتم رسالاته السماوية، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: 128].

وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 107].

ومن هنا تبدو الرحمة واحدةً من أبرز القيم التي قامت عليها الرسالة الإسلامية، وتجسدت في سيرة النبي ﷺ وتعاليمه وتعاملاته. فهي لم تكن قيمةً وعظية مجردة، بل مبدأً يرسم علاقة الإنسان بغيره ويحدد جانبًا أساسيًا من مسؤولية المجتمع تجاه أفراده.

وجاءت رسالة الإسلام حاملةً التعاليم التي تدعو إلى العدل والأخلاق وحسن التعامل بين الناس. وقد خاطب الله سبحانه وتعالى نبيه الكريم ﷺ بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: 4]، وهو تأكيد قرآني لمكانة الأخلاق في شخصية النبي وفي جوهر الرسالة التي حملها.

كما رُوي عنه ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وهو معنى ينسجم مع حضور القيم الأخلاقية بقوة في الخطاب الإسلامي.

وقد سار على هذا النهج، وفق الرؤية الإسلامية التي يتبناها النص، أئمة الهدى من آل بيت الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليهم، حاملين مسؤولية الحفاظ على القيم الدينية والإنسانية، والدعوة إلى العدل والصدق وصون كرامة الإنسان.

قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [التوبة: 32].

وإذا كانت البعثة النبوية قد مثّلت بداية مرحلة جديدة في تاريخ الإسلام، فإن السنوات الأخيرة من حياة النبي ﷺ مثّلت لحظة شديدة الحساسية في وعي المسلمين، إذ اقترنت باكتمال الرسالة واقتراب رحيل حاملها.

وفي سياق حجة الوداع نزل قول الله عز وجل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة: 3].

وقد ارتبطت هذه الآية في بعض الروايات والتفسيرات باستشعار قرب انتهاء مهمة النبي ﷺ واقتراب رحيله.

ثم جاء رحيل الرسول محمد ﷺ، ليشكّل واحدةً من أعظم لحظات الحزن في الذاكرة الإسلامية؛ إذ فقد المسلمون نبيهم وقائدهم، وانقطع الوحي بوفاته، وبدأت الأمة مرحلة جديدة عنوانها المسؤولية عن حفظ الرسالة وتطبيق قيمها بعد غياب صاحبها.

وهنا تكمن الدلالة الأعمق لذكرى رحيل النبي ﷺ: فالحزن على الفقد لا ينبغي أن يبقى مجرد استحضار عاطفي، بل يتحول إلى سؤال دائم عن مدى التزام المسلمين اليوم بالقيم التي حملتها رسالته؛ من الرحمة والعدل والأخلاق وصون كرامة الإنسان. فخلود الرسالة لا يتحقق بكثرة الحديث عنها فقط، وإنما بقدرتها على أن تتحول إلى سلوك وموقف ومسؤولية في حياة الناس.