محمد (ص) … حين استعاد الإنسانُ معناه
ليست التحولات الكبرى تلك التي تغيّر مجرى التاريخ فحسب، وإنما تلك التي تغيّر معنى الإنسان وهو يعبره.
وثمة من يصنعون أحداثًا ثم يستقرون في الماضي، وثمة من يتركون في الوجود سؤالًا لا يستطيع الزمن إغلاقه. ومن هذا الأفق يمكن قراءة محمد ﷺ؛ لا بوصفه شخصيةً كبرى في التاريخ وحسب، وإنما بوصفه حضورًا أعاد ترتيب العلاقة بين الإنسان ونفسه، وبين القوة والأخلاق، وبين الأرض وما يتجاوزها.
جاء إلى عالم لم يكن يفتقر إلى الآلهة، وإنما كان يفتقر إلى الإنسان.
كانت الأصنام تنتصب في الحجر، غير أن أشدها رسوخًا كان مستترًا في الوعي: قبيلة تتحول إلى حقيقة مطلقة، ونسب يمنح صاحبه قيمة لم يصنعها، ومال يعيد ترتيب البشر وفق ما يملكون، وقوة تتوهم أن قدرتها على الإخضاع تمنحها حق الإخضاع.
لهذا لم يكن التوحيد إسقاطًا لأصنام المعبد وحدها؛ كان تحريرًا للوعي من حاجته الدائمة إلى صناعة أصنام جديدة.
ف«لا إله إلا الله» تنزع صفة المطلق عن كل ما ليس مطلقًا؛ عن الحاكم والقبيلة والثروة والهوى والذات. وتعيد الإنسان إلى حقيقته: مخلوقًا لا يملك أن يستعبد مخلوقًا آخر.
بهذا المعنى، كان التوحيد تحريرًا للإنسان من الإنسان.
لقد خرجت قيمة الإنسان من يد الإنسان.
صار الفقير كامل الكرامة قبل أن يغتني، والضعيف كامل الإنسانية قبل أن يقوى، ومن لا نسب يحميه غير محتاج إلى نسب كي يستحق الاحترام. فالكرامة التي يمنحها البشر يستطيعون سلبها، أما التي تتصل بأصل الخلق فلا يملك أحد مصادرتها.
غير أن النبوة المحمدية لم ترفع الإنسان إلى السماء باقتلاعه من الأرض.
ظل محمد ﷺ، في ذروة الاصطفاء، بشرًا.
عرف اليتم والفقد والجوع والأذى وثقل المسؤولية. لم تُلغِ النبوة هشاشة التجربة البشرية، ولم تجعل صاحبها خارج شروطها.
وهذه ليست تفصيلًا في السيرة؛ إنها جزء من معناها.
عرف اليتم قبل أن يجعل لليتيم مكانًا في ضمير المجتمع، وذاق الفقد قبل أن يواسي المفجوع، وعرف الأذى قبل أن يصبح العفو عنده قوة لا ضعفًا.
لم تأتِ أخلاقه من وراء الحياة؛ مرت في قلب الحياة وخرجت منها من غير أن تحمل قسوتها.
وهنا تتجلى إحدى أجمل مفارقات النبوة: بشرية لا ينتقص منها الاصطفاء، واصطفاء لا يمحو البشرية.
فالكمال ليس أن ينجو الإنسان من شروط وجوده، وإنما أن يعبرها دون أن يخسر المعنى الذي يجعله إنسانًا.
ومن هنا أعاد محمد ﷺ تعريف القوة.
فالقوة في صورتها البدائية قدرة على إخضاع الآخر، أما في أفقها الأخلاقي فهي قدرة الإنسان على ألا يصبح أسيرًا لما يستطيع فعله.
فالامتحان الحقيقي للأخلاق يبدأ لحظة القدرة؛ عندما يصبح الانتقام ممكنًا، والبطش بلا كلفة.
ولعل من أعمق دروس السيرة أن المنتصر يمكن أن يُهزم في اللحظة نفسها التي ينتصر فيها؛ حين يتسلل عدوه إلى داخله فيورثه أخلاقه.
فالذي يهزم الظالم ثم يرث منطقه لم ينهِ الظلم؛ لقد بدّل صاحبه.
لهذا يصبح العفو عند المقدرة انتصارًا للإنسان على قابلية الطغيان الكامنة فيه.
فأصعب الطغاة هزيمةً ليس الطاغية الذي أمامنا، وإنما الطاغية الذي يمكن أن يولد فينا عندما نمتلك القوة.
ومن القوة نصل إلى الرحمة.
يقول القرآن الكريم: ﴿وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين﴾ ، فلا تبدو الرحمة خُلُقًا على هامش الرسالة، وإنما أفقًا تنتظم داخله بقية القيم.
والرحمة هنا أكبر من الشفقة؛ إنها طريقة في رؤية الموجود.
أن ترى في الآخر قيمةً تسبق فائدته لك، وفي الضعيف إنسانًا لا حالة اجتماعية، وفي المختلف وجودًا لا يحتاج أن يشبهك كي يستحق الإنصاف.
لهذا كان اليتيم والفقير والغريب ومن لا سند له معيارًا أخلاقيًا يكشف حقيقة المجتمع.
فالأقوياء يعرفون غالبًا كيف ينتزعون نصيبهم، أما العدالة فتُختبر عند الذي لا يملك قوة تفرض حضوره.
ويمكن معرفة مقدار أخلاق أي حضارة من المكان الذي تمنحه لأضعف أبنائها.
كل ما عدا ذلك قد يكون زينة حضارية.
وامتدت الرحمة إلى الحيوان والشجر والماء والطريق، لتشير إلى أن الموجودات ليست مجرد أشياء موضوعة تحت يد الإنسان.
لقد أعطته الرسالة مكانة عالية، لكنها لم تمنحه حق العبث.
وهذا المعنى يبدو اليوم أكثر إلحاحًا؛ فالإنسان الحديث وسّع دائرة قدرته أكثر مما وسّع دائرة مسؤوليته.
وصل إلى الفضاء، وفكك الذرة، وصنع عقلًا اصطناعيًا يحاكي بعض قدراته، وما زال عاجزًا عن ضمان ألا ينام طفل جائعًا على الأرض.
ليست المفارقة في نقص المعرفة، وإنما في المسافة بين ما تستطيع اليد أن تفعله وما يستطيع الضمير أن يمنعه.
لقد كبرت القوة أسرع من الحكمة.
وهنا تعود الرسالة المحمدية لتطرح على عصرنا سؤالًا لم تستطع التقنية الإجابة عنه:
ليس: ماذا يستطيع الإنسان أن يفعل؟
وإنما: ماذا يحق له أن يفعل بما يستطيع؟
وفي المسافة بين القدرة والضمير تأخذ العبادة معناها الأعمق.
فالسجود محاولة لإنزال الأنا عن عرشها، والصوم تدريب للرغبة على ألا تصبح سيّدة الإنسان، والزكاة اعتراف بأن الملكية لا تعفينا من مسؤوليتنا تجاه الآخر.
بهذا المعنى، لا تكون العبادة انسحابًا من الحياة، وإنما إعادةً للإنسان إليها بصورة أفضل.
فالسماء في التجربة المحمدية لم تكن بديلًا عن الأرض؛ كانت معيارًا لها.
وما قيمة أن يقترب الإنسان من السماء إذا كان اقترابه يجعل الأرض أشد قسوة على من يعيشون معه؟
من هنا يبدو اختزال محمد ﷺ في السيرة ظلمًا للسيرة نفسها.
السيرة تجيب عن سؤال: ماذا حدث؟
أما الحضور الحقيقي فيبدأ من سؤال آخر:
ماذا يعني ما حدث؟
والمعنى لا يقيم في الماضي.
يعود كلما تحولت القوة إلى حق، وصار المال مقياسًا للإنسان، واستعارت القسوة لغة المقدس، وضاقت الأخلاق فيما اتسعت الشعارات.
يعود عندما يصبح الدفاع عن الدين أكثر حضورًا من تمثّل قيمه، وعندما ننتصر للنبي في الكلام ثم نعجز عن الانتصار للإنسان الذي جاءت رسالته لصون كرامته.
عندها لا يكون السؤال: هل ما زال محمد ﷺ حاضرًا؟
السؤال:
ما الذي بقي من حضوره فينا؟
لقد اختصر الإنسان المسافات، وكشف أسرار المادة، ووضع قدرًا هائلًا من المعرفة في جهاز تحمله اليد، غير أنه ما زال يحمل في داخله أقدم أسئلته:
ما الحرية؟ وما العدالة؟ وماذا أفعل بقوتي؟ وما قيمة الآخر إذا لم يكن يشبهني؟
لهذا لا تصبح الرسالات قديمة بتقدم الزمن؛ لأن أدوات الإنسان تتغير أسرع من أسئلته الكبرى.
والعلم يخبرنا بما يمكن فعله، لكنه لا يمنحنا وحده السبب الأخلاقي الذي يجعل بعض الممكنات جديرةً بأن نرفضها.
وهنا لا تقف الرسالة في مواجهة العقل، وإنما تضع أمامه مرآة:
لقد عرفتَ كثيرًا عن العالم؛ فماذا عرفتَ عن نفسك؟
رحل محمد ﷺ عن الأرض، لكن بعض الغياب يحرر الحضور من الجسد.
فالذين يرتبط أثرهم بأحداثهم يأخذهم التاريخ معه، أما الذين يضعون في ضمير الإنسان معيارًا جديدًا فإن التاريخ نفسه يصبح ميدانًا لامتحان أفكارهم.
كلما استعبد إنسانٌ إنسانًا، عاد سؤال التوحيد.
وكلما أهانت القوة الضعف، عاد سؤال الكرامة.
وكلما انفصل التدين عن الأخلاق، عاد سؤال النبوة.
وكلما امتلك الإنسان قدرةً جديدة، عاد السؤال الأصعب:
هل نما ضميرك بقدر ما نمت قدرتك؟
لهذا لا يكون الوفاء لمحمد ﷺ في أن نحمله إلى حاضرنا بالمديح وحده، وإنما أن نسمح لحضوره بأن يمتحن هذا الحاضر؛ أن نسأل عن مقدار العدل الذي تركه الإيمان في أيدينا، والرحمة التي تركها في قلوبنا، والأصنام التي ما زلنا نعبدها سرًا بعدما سقطت أصنام الحجر منذ قرون.
فأشد ما يمكن أن يصيب رسالةً خالدة ليس أن ينساها الناس؛
إنما أن يحفظوا ألفاظها، ويفقدوا قدرتهم على سماع سؤالها.
ومحمد ﷺ لم يترك للإنسان اسمًا يردده فحسب.
ترك مرآة.
وكلما وقف العالم أمامها، لم تسأله كم تقدّم، ولا كم امتلك، ولا كم انتصر.
سألته:
بعد كل هذا الذي صنعتَه…
هل أصبحتَ أكثر إنسانية؟













