آخر تحديث: 26 / 8 / 2026م - 12:02 ص

الفتنة وهدم الثقة في المجتمع

عبدالحكيم السنان

تُعدّ الفتنة من الظواهر الأخلاقية والاجتماعية الخطيرة؛ لأنها تضرب الثقة بين الناس، وتُضعف الروابط التي تقوم عليها العلاقات الإنسانية، سواء داخل الأسرة، أو بين الأصدقاء والإخوة، أو في مختلف دوائر المجتمع. وحين تنتشر الشائعات والتحريض ونقل الكلام بقصد الإفساد، تصبح العلاقات أكثر عرضة للشك والضغينة والفرقة.

ولا تكمن خطورة الفتنة في الكلام وحده، بل في الطريقة التي قد تُقدَّم بها؛ إذ قد يظهر من يسعى إلى الإفساد بمظهر الناصح الأمين، فينقل الكلام أو يؤوله أو يثير الشكوك بين الناس تحت غطاء النصيحة والحرص. ولهذا فإن الوعي بمقاصد الكلام، والتثبت من الأخبار، وعدم التسرع في الحكم على الآخرين، تمثل وسائل أساسية لحماية المجتمع من آثار الفتنة.

وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة: 191].

وهذه الآية تؤكد جسامة الفتنة وخطورتها، غير أن الاستدلال بها على صور محددة من الفتنة الاجتماعية يحتاج إلى فهم سياقها وعدم تحميلها ما يتجاوز دلالتها. ومع ذلك، تبقى قيمة التحذير من الفتن حاضرة في ضرورة تجنب كل ما يؤدي إلى تمزيق العلاقات وإشاعة العداوة بين الناس.

وقال النبي ﷺ: «ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي».

ويشير هذا المعنى إلى أهمية عدم الاندفاع وراء الفتن أو المشاركة في توسيعها. فالموقف المسؤول لا يكون بترديد كل ما يُسمع، ولا بنقل الاتهامات بين الأطراف، وإنما بالتثبت والابتعاد عن كل قول أو تصرف يمكن أن يزيد النزاع اشتعالاً.

ومن أخطر صور الفتنة أن يتدخل شخص بين زوجين أو إخوة أو أصدقاء وأحباب، فينقل الكلام بصورة تزرع الشك، أو ينتقي من الحديث ما يثير الخصومة. وقد يظن المتلقي أن ما يسمعه نصيحة خالصة، بينما تكون النتيجة إضعاف الثقة وقطع أواصر المودة. لذلك ينبغي ألا تُقاس النصيحة بكلمات صاحبها فقط، بل بأمانته في النقل، ووضوح غايته، والآثار التي يتركها كلامه.

وقد نُسب إلى الإمام علي قوله: «كن في الفتنة كابن لبون، لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب».

ويحمل هذا القول دعوة إلى ألا يجعل الإنسان نفسه أداة يستغلها الآخرون في صراعاتهم؛ فلا ينقل كل ما يسمع، ولا يسمح لأحد أن يستخدمه في الإساءة إلى طرف آخر. فالحذر الحقيقي لا يعني إساءة الظن بالناس جميعاً، وإنما يعني التثبت قبل اتخاذ موقف أو إصدار حكم.

كما ورد في النص عن أبي عبد الله عن آبائه ، عن رسول الله ﷺ: «فإذا التبست عليكم الفتن، كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن».

ويبرز هذا المعنى أهمية الرجوع إلى القيم الدينية والأخلاقية عند اشتداد الالتباس؛ فبدلاً من الانقياد وراء الغضب والشكوك، يحتاج الإنسان إلى معيار يرشده إلى العدل والتثبت وحفظ حقوق الآخرين.

إن حماية المجتمع من الفتنة مسؤولية مشتركة تبدأ من الفرد نفسه: أن يتثبت مما يسمع، وألا ينقل كلاماً قد يفسد علاقة، وأن يمنح الطرف الآخر فرصة للتوضيح، وأن يميز بين النصيحة الصادقة والكلام الذي يزيد الشك والعداوة. فالمجتمع المتماسك لا يُبنى على تداول الظنون، بل على الثقة والإنصاف وحسن التواصل.

ومن هنا، فإن مواجهة الفتنة لا تكون بالخوف الدائم من الناس أو باتهام كل ناصح، بل بالوعي والتثبت والحكمة. نسأل الله تعالى أن يحفظ مجتمعاتنا من الفرقة، وأن يعيننا على أن نكون عوامل إصلاح وألفة، لا أدوات لنشر الخصومة والضغينة.