تطوير جزيرة تاروت «1-3»
مضت أربع سنوات على تحقق البشارة الذهبية لأهالي جزيرة تاروت، وذلك بصدور قرار مجلس الوزراء بتأسيس مؤسسة تطوير جزيرة تاروت، وتخصيص أكثر من 2.6 مليار ريال ميزانية لها لغاية عام 2030 م، أي بقيت أربع سنوات أخرى لهذه الميزانية المباركة.
أول ما يتبادر للذهن بشأن هذه المؤسسة الفتية، التي هي أول جهة حكومية في محافظة القطيف تتبع إداريًا لرئيس مجلس الوزراء، هو: أين سيكون مقر هذه المؤسسة؟ فالتنظيم الخاص بها لم يحدد محافظة بعينها، وإنما اكتفى بذكر المنطقة الشرقية مقرًا لها، ومن هنا تأتي الإشارة في هذا المقال إلى أهمية وجود مقر المؤسسة في الجزيرة نفسها، وليس خارجها أو خارج المحافظة الإدارية التي تتبع لها. فوجود المؤسسة ضمن النطاق الجغرافي الذي تعمل فيه وله هو السياق الطبيعي المتبع، ولا حاجة لتعداد مزايا اتباع هذا السياق البديهي. وعلى الرغم من ذلك، هناك بعض الفوائد الإضافية المهمة التي ترجح أهمية هذا السياق في وجود مقر هذه المؤسسة في الجزيرة المعنية بخدمتها وتطويرها بحسب الأهداف المرسومة.
إن حجم الاهتمام الرسمي الذي تحظى به الجزيرة بدأ من إنشاء المؤسسة المتخصصة بتطويرها وربط مرجعيتها المباشرة برئيس مجلس الوزراء، ودعمها بنخبة من الكفاءات الوطنية، كلها تعكس حجم هذا الاهتمام، وهي مؤشرات مهمة على نجاح هذه المؤسسة إن شاء الله. لقد سبق إنشاء هذه المؤسسة أنشطة مهمة من قبل جهات حكومية عدة، لكن دون أن يكون لديها مقر فعلي في الجزيرة لممارسة أعمالها، مما أحدث ثغرة واضحة في أداء عملها، فهيئة التراث ووزارة السياحة، كمثال، من الجهات التي يتردد موظفوها على الجزيرة باستمرار، لكن دون أن يكون لهما مقرات أو مكاتب فيها أو حتى في محافظة القطيف ككل. فوجود مقر للمؤسسة في الجزيرة نفسها، وهي الجهة المعنية بالتنسيق مع كل الجهات التي تعمل ضمن نطاق الجزيرة، يمكن أن يساعد مثل هذه الجهات لأداء عملها أثناء وجودها في الجزيرة من خلال تخصيص مكاتب لها ضمن مقر هذه المؤسسة الرسمية، فهذا يلبي الاحتياج، وربما يقلل التكاليف، لكن الأهم ربما هو تسهيل عملية التنسيق والتواصل المباشر مع مثل هذه الجهات.
إن طبيعة الجزيرة الجغرافية والاجتماعية تتطلب ليس وجود مقر لمؤسسة التطوير، بل أيضًا إيجاد مقرات دائمة تتناسب مع النشاط الاجتماعي والثقافي والترفيهي الذي تحتضنه الجزيرة حاليًا في مواقع مؤقتة وغير مثالية، تنتهي بانتهاء كل فعالية، وتستهلك الجهد والوقت والمال، ويكتنفها الكثير من الثغرات، ودون أن تحقق معايير أنسنة المدن وتعزيز الاستدامة ورفع جودة الحياة.
إن وجود مقر للمؤسسة في جزيرة تاروت قد يكون هو اللبنة العملية الأولى في مشوار الألف ميل لتطوير الجزيرة، فالرؤية لتطوير الجزيرة قائمة على المشاريع التنموية ومشاركات الأهالي أنفسهم، ووجود مقر المؤسسة فيها هو الرسالة العملية المباشرة التي لا تقبل التأويل من قبل المستثمر المحلي أو أهالي الجزيرة على حد سواء. وكما أن الوجود الفعلي رسالة مباشرة، كذلك فإن العمل عن بعد في مثل هذه الحالة هو رسالة قد تكون ضبابية وحمّالة أوجه وغير إيجابية.
لا ينبغي التقليل من أهمية وجود مقر أي جهة حكومية ضمن النطاق الجغرافي لعملها، لا سيما إذا كانت طبيعة عملها تتطلب التواصل المباشر والمتابعة والتنسيق، فكما أن وجودها يخدم أهدافها ورؤيتها ويكثف التواجد الرسمي ويشجع حتى بعض الجهات الحكومية والقطاع الخاص ليكون له وجود معين في الجزيرة، كذلك فإن عدم وجود مقر بارز لها في الجزيرة يبعث برسالة صريحة غير إيجابية لكل الأطراف ذات العلاقة.
إننا نتطلع إلى اليوم الذي نرى فيه توافد المسؤولين من مختلف الجهات والشركات على مقر المؤسسة في جزيرة تاروت.













