آخر تحديث: 11 / 8 / 2026م - 2:30 م

جنازة وعجينة من النفاق الخالص…!

الدكتور محمد المسعود

بيتنا القديم ضيق الصدر بمن يجلس داخله، مما يفرض علي الجلوس على عتبته المتصلة بالشارع. العتبة ضئيلة الحجم، ولكنها قاومت كل الأسباب الطبيعية التي تدفعها للسقوط والانهيار.

ومن على صخرتها العتيقة العنيدة أمعنت النظر في الجنائز المحمولة إلى قبورهم المترقبة والمنتظرة لهم، والضامر عن الأعين مصائرهم وما هم مقبلون عليه. المقبرة قبل ميلادنا كانت في نهاية الشارع، ولا تزال تترقب بصبر دخولنا المتتابع في جوفها. تجري من أطرافها مياه طلب ساكبوها رحمة على النزلاء الجدد في بيوتهم التي لن يؤذن لهم بتغييرها، ولا بطلب استبدال محتوياتها؛ البيوت التي محت التضاد بين طبقات الناس وهم أحياء فوقها.

الجزء الذي بدأ يتشكل في إدراكي المبكر: أن الجنازة أصدق وسيلة وأقدمها في التاريخ لكشف الزيف في الذات وفيمن حولها. أحيانًا تتمثل في صورة المجتمع الذي يكره نفسه على النفاق، وهو من العسير نكرانه.

على عتبة باب بيتي المنهدم كتفه الأيسر، والمتصدعة عتبته، والممتنعة عن الانهيار، رأيت ابنًا لم يكن يتوقف عن شتيمة أبيه ولعنه؛ لشدة بخله، ولؤم نفسه، وعدم توقفه عن شتم أمه وضربها. ولكنه حين كان يحمل النعش أرسل من الدموع ما يفيض عن التعبير عن حزن صادق ومشاعر فقد حقيقية. ولو بحثنا عن العلل الخبيثة المختبئة لوجدنا هذه الدموع والتفجع الكاذب إعلانًا متعارفًا عليه عن وليمة نفاق خالص يحضرها من لم يحضر موقفًا واحدًا كان المتوفى بمسيس الحاجة إليه.

وعلى ذات العتبة. أبناء كثيرون من منعدمي القيمة. نعرفهم كما نعرف أصابعنا في حينا الصغير المنطوي على ذاته في جنوب قرية تتعمد العيون الإعراض عنها، لأسباب غير مفهومة لسكانها. وبعضهم لم يكن يلملم فجوره عن سمع أحد، ولا يستره عن عين، ولا يوقر لأحد قدرًا، ولا يحتشم من ذي فضل.

ويستدعيني إلى عتبتي صراخ المتفجعين من فقده، وهم يحملونه إلى مآله العسير الشاق إن لم تتداركه رحمة ربه.

نحن نظن أننا ذوو قيمة حقيقية في قلوب الناس، ولكن الجنازة في حركتها ومشاقها تمثل الواجب المؤمل حدوثه. ولكنه لا يحدث. المحمول فوق النعش يتحول فجأة إلى دينار فقد قيمته عند كثيرين، عملة فرغ الآن من الإعلان عن وقف تداولها.

لقد كان قبر الأم الودودة رطبًا جدًّا، الماء الذي تليت عليه سورة ياسين ينساب على ترابها الحنون عليها، أكثر من بناتها الأربع اللائي ارتفعت أصواتهن بسبب ساعة ثمينة فقدت بعد الدفن مباشرة، ويحتمل أنها كانت في معصمها قبل وفاتها.

هي لحظة من لحظات الانخطاف والحضور والغياب.

رأيت على صغر سني جمود العين وجحودها، ورأيت على صغر سني نكران المعروف بعد نيله. الجنازة تجعل الميت وكأنه غريب عن عالمه كرجل جاء من أطراف صحراء ظامئة، وقد حضر أجله على أول عتباتها. تُصلَّى عليه صلاة سريعة عجلى، بلا مشاعر، شحيحة الدعاء؛ الغريب الذي لم يعد بوسعه أن يبوح بانكساره أمام المصلين على جثمانه البارد وإن كانت روحه حاضرة قبل صعودها لبارئها.

وحين كبرت.

بت أحمل يقينًا أن ذاتي - كسائر الذوات التي عبرت محمولة فوق رأسي وأنا على عتبتي المنهدمة - ستنال حزنًا ضئيلًا، وعاطفة شحيحة؛ فالكل قلب كوامنه، وأنت تعيش مع أقوام يجاهدون لكتمان هذا المكنون. غاية ما يبقى من حقيقتك هو رضاك عن حقيقة الطهر بذاتها، وحقيقة الصدق منها، وحقيقة حضور الله فيها.

الخلق من حولنا ذوو طبيعة معقدة جدًّا، وعسيرة على الفهم، وسيزول حزنهم عليك بزوال غبار قبرك الذي علق بأحذيتهم. فكل جنازة تحمل قدرًا غير يسير من عجينة النفاق التي تكره الناس على إظهار حزن زائف على فقدك إلا قليلًا ممن سكنت قلوبهم بصدق طاهر بريء من الزيف.

«قصة متخيلة» وليست حقيقية.