آخر تحديث: 10 / 8 / 2026م - 10:00 ص

”أنا ليش أحرق دمي؟!“ وهكذا تسقط الأمم

أمجد القواعين

جملة تُقال بهدوء وبدون بعد أن انتقل الإحساس بالذنب إلى رحمة الله: ”أنا ليش أحرق دمي؟!“. وأكثر جملة تُبنى عليها الكوارث.

نحن لم نفقد العقلاء، نحن علّمناهم يصمتون، وكنا بارعين في ذلك بشكل يستحق الإعجاب الحقيقي. حين تكلم العاقل قلنا ”يتشاطر“، وحين اقترح قلنا ”يبي يبرز“، وحين اختلف قلنا ”ما يشتغل بروح الفريق“، وحين صمت قلنا ”ما عنده رأي“. أربعة خيارات وكلها خاسرة، درّبناه عليها بكفاءة منقطعة النظير حتى تعلّم الدرس وحفظه عن ظهر قلب. ثم جلسنا نتساءل بدهشة حقيقية ووجوه مستغربة: وين العقلاء؟

ومسكين العاقل لمّا يتذكر بداياته. دخل الميدان بحماس من يظن أن العقل يكفي، وأن الحجة تقنع، وأن الخبرة تُحترم. ثم اكتشف أن الميدان يشتغل بقواعد ما كُتبت في أي كتاب درسه. اكتشف أن الاقتراح الجيد يموت في اجتماع لأن صاحبه ما يعرف من يصافح، بينما اقتراح أضعف يُقبل بحفاوة لأن صاحبه يعرف من يصافح ومتى وبأي قوة وكم دقيقة قبل بداية الاجتماع. واكتشف أن الحجة تتحول لمعركة شخصية، وأن ”أنت ضد فلان، أو مع فلان“ أقوى من أي منطق في الكون. فقرر بعقلانية مؤلمة أن الصمت أرخص بكثير، وتحوّل تدريجياً من ”سأصحح هذا“ إلى ”خليهم يجربون“ إلى ”أنا ليش أحرق دمي؟!“ إلى ”الله يصلح الحال“. وهذه الأخيرة هي المحطة النهائية اللي ما في قطار بعدها.

والأمر ما يوقف عند النقاش، يطال شيئاً أخطر: المشاركة المجتمعية. المؤسسات الأهلية، واللجان، والمبادرات المحلية، كلها تحتاج بطبيعتها عقولاً وخبرات وناس يقولون لا لما يجب قولها. لكنها تشتغل أحياناً بمنطق المصافحة الصحيحة، ما الكفاءة والرأي المختلف اللي ”يعقّد الأمور البسيطة“. فالعاقل يجي بأفكار تحتاج نقاشاً، فيلقى جداراً أنيقاً مكتوب عليه ”نحن نعمل هكذا منذ سنوات وبفضل الله ناجحون“، ويكتشف أن الاجتماع قُرر قراره قبل ما يبدأ بأسبوع، وأن دوره يومئ بالرأس ويصفق في الختام بدفء مناسب. فيروح مرة ومرتين وثلاثاً، ثم يختفي بهدوء كامل. وما يلاحظ أحد الفرق، لأن اللي جاء بعده أكثر حماساً وأقل تساؤلاً وأسرع تصفيقاً، وهذا بالضبط اللي كانت المؤسسة تبيه من البداية وإن ما قالته صريح.

وحين ينسحب العاقل، يصير شيء ما نشوفه لأننا مشغولين بالاحتفال بهدوء المكان: الفراغ اللي يتركه ما يبقى فارغاً لحظة وحدة. يملؤه أول من يشوف الميدان خالياً ويدخله بثقة من يظن أنه يستحقه. وهو ما يستحقه، لكن الثقة في غياب المنافسة تعوض شهادات وسنوات خبرة وعقول ما شُغِّلت. والصوت العالي يصنع وهم الأغلبية، فلما يتكلم عشرة بصوت عالٍ ويصمت مئة بهدوء، يظن المستمع أن الرأي السائد هو اللي سمعه وأن الصامتين موافقين أو فارغين. وهكذا يُبنى ”الإجماع“ اللي هو في حقيقته مجرد احتكار الميكروفون من اللي ما يخجل يمسكه ولا يحطه.

لكن ها هنا أحاكم العاقل بلا رحمة تساوي تعاطفي معه. صمتك وانسحابك يا صاحبي مو حياد نظيف تغسل فيه إيدك وتمشي، هما موقف له ضحايا اسمهم الجماعة اللي تركتها لمن لا يستحق. وبيرك قال ما معناه ”كل ما يحتاجه الشر لينتصر هو أن يصمت الطيبون“، ولو شاف واقعنا اليوم كان أضاف بتأفف مفهوم: ”وأن يشربوا قهوتهم في البيت ثم يتذمرون على السوشيال ميديا من الشخص اللي ملأ مكانهم“.

الحل مو إنك تخوض كل معركة مع كل صوت عالٍ في كل اجتماع، هذا طريق ما له نهاية ويضر بضغطك قبل أي شيء ثاني. لكن تختار معاركك بذكاء وتبقى في الميادين اللي تستحق وجودك حتى لما تضايقك، لأن انسحابك ما يُلاحَظ في اليوم الأول ولا الثاني، لكن فراغك يتملأ قبل ما تخلص قهوتك الأولى في البيت. واللحظة اللي تقول فيها ”أنا ليش أحرق دمي؟!“ هي بالضبط اللحظة اللي يقول فيها غيرك ”الميدان لي“. وأنت في البيت تشاهد النتيجة وتقول ”الله يصلح الحال“.

الله يصلح الحال. جملة جميلة. لكن الله لم يعدنا أنه سيصلح الحال الذي تركناه لمن لا يصلح له.