اختر صحبةً للطريق
«ودّك يقولون العرب: وش فيه ساكت ما هرّج، ولا يقولون العرب: ليته سكت ما قالها.»
كثيرًا جدًا ما يؤرقني أن أحاول أن أزن كلماتي. قضيت سنوات، ولا زلت أحاول، وأرى كم هو صعب أن يريد الإنسان شيئًا، ثم يحاول تطبيقه. أن تعرف ما ينبغي أن تفعله شيء، وأن تستطيع فعله فعلًا شيء آخر.
ربما لهذا توقفت عند مقال قرأته في منصة «كتابة» للكاتب الدكتور عبدالقادر بن مساعد، الذي يلهمني بدقة طرحه. شعرت أن ما كتبه ضرب في صميم شيء أخطئ فيه أنا شخصيًا: الخطأ في إخراج الكلمة من أفواهنا.
تلك الكلمة التي قد تتعب شخصًا أو تزيل عنه التعب، قد تضمد جرحًا، وقد تجرح. قد تقرّب إنسانًا منك، وقد تكون سببًا في أن يبتعد. وقد تكون عندك مجرد كلمة عابرة، بينما تبقى عند شخص آخر طويلًا.
وهنا بدأت أفكر: لماذا نستخف بالكلمة إلى هذا الحد؟ لماذا نقول: إنها مجرد كلمة، وكأن الكلمات لا تترك أثرًا؟
فالكلمة قد تكون أساس بنيان كامل؛ إما أن تقوّي علاقتك بالآخر، أو تبدأ في إسقاطها.
وأحيانًا لا تكون المشكلة في الكلمة نفسها، وإنما في الطريقة التي يفهمها بها الآخر. فالتكلم مع شخص لا يسمعك جيدًا قد يجعله يفهم كلمة بمعنى مختلف تمامًا عن معناها الذي قصدته. قد تكون الكلمة عندك واضحة، لكن معناها عند الآخر يصبح شيئًا آخر؛ معناها الذي فهمه داخل نفسه.
لذلك، أرجوكم، حاولوا أن تعطوا الكلمة قدرها كما هي. وإذا كانت عندكم أمانة، وفهمتم كلام شخص بطريقة معينة، فلا تفترضوا أن هذا هو المعنى الذي قصده؛ اسألوه عن معنى كلمته.
وأحيانًا، إذا كان الشخص يحمل ثأرًا أو غضبًا تجاهك، فقد يستغل الكلمة بطريقة أخرى، ويحمّلها معنى لم تقصده أصلًا.
وأحيانًا تكتشف من كلمة واحدة إن كان الشخص الذي أمامك أهلًا للثقة أم لا؛ هل ينقلها كما سمعها، أم يضيف إليها من عنده؟ هل يحفظ أمانة الكلام، أم يستخدمه بالطريقة التي تخدم موقفه؟
وأحيانًا تكون المشكلة أننا نتكلم كثيرًا. فكثرة الكلام تجعلنا، غصبًا عنا، نقع في الخطأ؛ نقول كلمة لم نكن نريد قولها، أو نتحدث في لحظة غضب، ثم نندم عليها، وقد تكون كلمة واحدة كافية لتخرب شيئًا بيننا وبين شخص آخر.
ولهذا قيل عن الإمام علي
:
«مَن كَثُرَ كلامُه كَثُرَ خطؤُه».
الكلمة لحظة قصيرة تخرج منا، لكن أثرها قد يكون أطول بكثير من تلك اللحظة.
فإذا كانت كلمة واحدة قد تُفهم خطأ، أو تُنقل خطأ، أو تُقال في غير وقتها، أو تُحمّل معنى لم نقصده، فكيف إذا تكررت الكلمة الخطأ؟
ربما عندها لا يعود الآخر يسمع الكلمة كما قيلت، بل يسمعها كما ترسخت في داخله. وعلى المنقول له الكلام الانتباه وعدم تصديق كل كلمة تُنقل إليه؛ فقد تكون كلمة عفوية صغيرة، وناقلها كبّر حجمها.
ولهذا أظن أن محاولة وزن كلماتنا ليست أمرًا بسيطًا كما تبدو؛ إنها محاولة لأن نكون أكثر انتباهًا لما نتركه في الآخرين بعد أن نغادر الكلام.













