حين لا يكفي شيء
يحيا الإنسان المعاصر في زمنٍ تتوافر فيه الأشياء على نحوٍ لم تعرفه البشرية من قبل، ومع ذلك يبدو أن الشعور بالنقص لم يتراجع، بل ازداد اتساعًا وتعقيدًا. فمعظم الناس يمتلكون ما يكفيهم من الطعام والراحة ووسائل الحياة، لكن كثيرًا منهم لا يزال يعتقد أن السعادة تقف دائمًا خلف الشيء التالي.. هاتف أحدث، منزل أكبر، أو حرية مالية تجعل كل شيء يخطر في البال متاحا بطرفة عين ودون أي عناء يذكر. هكذا هو الحال، وكأن الإنسان كلما اقترب من الاكتفاء، ابتعد عنه شعوريًا. من هنا تبدأ كثير من اضطرابات هذا العصر الذي بات ينال من الجميع، من الاستهلاك المفرط إلى القلق والديون التي لم يسلم منها أحد، إلا من رحم ربي.
المشكلة لا تكمن في رغبة الإنسان في التحسن، فالسعي جزء أصيل من طبيعته، لكن الإشكال يبدأ حين تتحول الرغبات إلى حالة جوع لا تهدأ. الإنسان يشتري الأشياء لا لأنه يحتاجها، هو يشتريها لذلك الشعور الذي ينتابه بأن شيئًا ما ناقصًا داخله سيكتمل بعد الاستحواذ..! فيشتري ليشعر بالتحسن، ثم يعتاد ما اشتراه سريعًا، فيبدأ بالبحث عن شيء آخر يعيد إليه الشعور ذاته. وهكذا تتحول الحياة إلى مطاردة مستمرة لوهم يتجدد باستمرار.
ولفهم هذه الحالة، يكفي أن ننظر إلى تاريخ الإنسان الطويل. فالإنسان القديم عاش في بيئة يسودها النقص والخطر، كون الطعام والموارد الأخرى محدودة، لذلك تطورت أجسادنا وعقولنا لتبحث دائمًا عن المزيد وتخزن ما تستطيع تخزينه. كان جمع الطعام والموارد والمعرفة آنذاك ضرورة للبقاء، بل إن أدمغتنا كوفئت على هذا السلوك بشعور من الرضا والمتعة. وما كان يومًا ما وسيلة للنجاة، ما زال يعمل داخلنا حتى اليوم، رغم أن العالم تغير بالكامل.
العالم الحديث لم يكتفِ بتوفير الوفرة، بل تعلّم كيف يستثمر هذه الغرائز القديمة لتحقيق المزيد من الربح المادي. اليوم، الاعلانات لا تبيعنا منتجًا فقط، هي تبيعنا شعورًا بالنقص، ثم توهمنا أن هذا النقص سيُشفى عبر الشراء. وتُستغل مخاوف الإنسان القديمة بذكاء، كفكرة ”الإصدار المحدود“ التي توقظ خوفًا دفينًا من ضياع الفرصة، أو عبر ربط المنتجات بصور المشاهير والنجاح والجاذبية، حتى أصبح كثير من الناس يشترون الإحساس المرتبط بالشيء أكثر من الشيء نفسه.
من هنا يمكن فهم جانب من الأزمات الصحية والنفسية التي تضرب المجتمعات الحديثة. فأجسامنا التي صُممت للتعامل مع الندرة، أصبحت تعيش وسط وفرة دائمة من الطعام المحفز للشهية، فكانت النتيجة ارتفاعًا هائلًا في معدلات السمنة والأمراض المرتبطة بها. ولم يعد كثير من الناس يأكلون استجابة للجوع الحقيقي، بل استجابة للإغراءات والعادات والإشارات البصرية التي تحاصرهم في كل مكان.
لا يختلف الأمر كثيرًا في الجانب النفسي. فعندما يشتري الإنسان شيئًا جديدًا، يكون في داخله أمل خفي بأن تتغير حياته معه، وكأن السيارة الفاخرة أو المنزل الجديد سيصنع نسخة أكثر نجاحًا وسعادة منه. للأسف هذا الشعور لا يدوم طويلًا، عندها يبدأ العقل بالبحث عن هدف جديد يعيد إنتاج الشعور ذاته، فتمتلئ البيوت بالأشياء، أما النفوس، لسوء المنقلب، يملؤها الفراغ.
الأخطر من ذلك أن هذا النمط من العيش والتفكير لا يرهق الإنسان وحده، لأنه آخذ في التوسع، بشكل جلي، ليرهق العالم من حوله على حد سواء. فالرغبة غير المحدودة في الإنتاج والاستهلاك تركت آثارًا واضحة على البيئة والموارد الطبيعية والتوازن البيئي. وكأن الحضارة الحديثة نجحت في مضاعفة قدرتنا على الحصول على الأشياء، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في تعليمنا معنى الاكتفاء.
ربما لا تكمن الحكمة في رفض الرغبات أو الهروب من متع الحياة، لكن في إعادة ترتيب علاقتنا بها. أن نفهم أن ”الجيد“ قد يكون كافيًا أحيانًا، وأن السعادة تولد من قدرة الإنسان على الشعور بالكفاية والطمأنينة، لا من تراكم الأشياء. فليست كل رغبة تستحق المطاردة، وليست كل إضافة إلى حياتنا تعني أننا أصبحنا أفضل. وربما من الأهمية بمكان أن نوضح أن إحدى أكبر مشكلات عصرنا أننا تعلمنا كيف نملأ أيدينا، لكننا لم نتعلم كيف نُشبع أرواحنا.













