آخر تحديث: 7 / 8 / 2026م - 5:07 م

هل الصحيفة ملك لمن اختلفنا معهم؟

علي البحراني *

حين يعجز بعض الناس عن مناقشة الفكرة، يذهبون إلى تسقيط صاحبها.

فإذا نشرت مقالًا قيل لك: أنت تبحث عن الظهور.

وإذا انتقدت ظاهرة، قيل لك: أنت تستهدف أشخاصًا.

وإذا غاب اسمك عن منصة إعلامية، قيل لك: «أنت ما خليت لك صديق بينا»! من تعني بنون الجماعة يا صديقي؟

وكأن الحقيقة أصبحت موظفًا في دائرة العلاقات العامة، لا تزور إلا من يمتلك أكبر عدد من المجاملات.

لكن السؤال الحقيقي ليس: كم صديقًا بقي لك؟

السؤال الحقيقي هو: هل المنابر الإعلامية ملك لأصدقاء رؤساء التحرير أو للداعمين أو للمعينين مشرفين عليها قسرًا أصلًا؟

وهل تدار بمنطق القرب والبعد من فلان، أم بمنطق المعايير المهنية؟

لقد أثبتت دراسات الإعلام المعاصر أن استقلالية المؤسسات الإعلامية ترتبط بوضوح السياسات التحريرية أكثر من ارتباطها بالأفراد، فالصحيفة ليست امتدادًا للعلاقات الاجتماعية، بل مؤسسة لها رؤية تحريرية واختيارات مهنية تحدد ما تنشره وما لا تنشره، وتشير أبحاث الإعلام إلى أن جميع المؤسسات الإعلامية تمارس عملية «حراسة البوابة» «Gatekeeping»، أي اختيار المواد التي تراها مناسبة للنشر وفق معاييرها الخاصة وانحيازاتها، وما أُنشئت من أجله، لا وفق رغبات الكتّاب بالضرورة، وهذه معضلة أخلاقية تضر بشرف المهنة، وتنتقص من حيادها.

ومن هنا يصبح غياب مقال أو اسم عن أي صحيفة دليلًا على أحد احتمالين:

إما أن المادة لم تنسجم مع سياسة النشر، وإما أن المحرر لم يرَ فيها أولوية تحريرية.

لكنه ينشر ما هو أقل من ذلك بكثير، بما يتناسب مع انحيازاته أو ما أُملي عليه، وسُجن في أسواره.

أما القفز مباشرة إلى فرضية المؤامرة، فهو تفسير مريح للنفس، لكنه ليس دائمًا التفسير الصحيح.

غير أن وجود هذه القاعدة العامة لا يعني أن جميع المؤسسات الإعلامية تطبقها بالقدر نفسه، فهناك مؤسسات تمتلك هياكل تحريرية واضحة تلتزم بها، وهناك مؤسسات قد تتداخل فيها الاعتبارات الشخصية مع القرار المهني.

وهذا لا يعني أن أي مؤسسة معصومة من الخطأ، كما لا يعني أيضًا أن كل قرار تحريري فيها صحيح بالضرورة.

فالصحافة ليست وحيًا.

لكن في المقابل لا يكفي الاختلاف مع قرار تحريري لإثبات أن المؤسسة أصبحت ملكًا لمن نختلف معهم، أو أنها لا ترغب إطلاقًا في نقدهم أو نقد من يقدسونهم.

ثمة فرق كبير بين أن نقول: «لا أتفق مع سياسة النشر».

وبين أن نقول: «هناك من يتحكم بالمؤسسة الإعلامية من وراء الستار».

الأولى رأيٌ مشروع، أما الثانية فدعوى تحتاج إلى أدلة.

والحقيقة أن المجتمعات الصغيرة تعاني أحيانًا من ظاهرة نفسية معروفة، إذ يميل الإنسان إلى تفسير الأحداث الشخصية عبر شبكة العلاقات الاجتماعية أكثر من تفسيرها عبر العوامل المؤسسية، فإذا لم ينشر له ظن أن خصمًا منعه، وإذا نشر لغيره ظن أن صديقًا دعمه، بينما قد يكون الأمر أبسط بكثير؛ فيكون قرارًا تحريريًا اتخذه محرر لا يعرف الطرفين أصلًا.

لكن ذلك لا يمنع من وجود حالات تصبح فيها الاعتبارات الشخصية جزءًا من القرار التحريري، فتدخل المواقف الفردية في مهنية الصحافة والنشر، وعندها تفقد المؤسسة جزءًا من استقلالها، ويتحول العمل الإعلامي إلى ممارسة لا تعكس المعايير المهنية بقدر ما تعكس العلاقات والمواقف. هذا إن كنا نحسن الظن، لكنها ليست نية ولا تخمينات، بل حوار دار مع رئيس تحرير قالها بالفم المليان: «أنت لا يمكن أن ننشر لك في صحيفتنا الغراء العظيمة».

ولعل المشكلة الأعمق ليست في صحيفة هنا أو هناك.

المشكلة في أننا ما زلنا نخلط بين الصداقة وحق إبداء الرأي المختلف!

وليس هذا المعنى جديدًا، فقد عبرت عنه تجارب إنسانية متعددة، ويُنسب إلى فولتير قوله: «أنا أختلف معك في الرأي، لكني مستعد للموت لكي تعبر عن رأيك».

ومع ذلك فإننا نريد من الصديق أن يوافقنا، ومن الصحيفة أن تنشر لنا، ومن الجمهور أن يقرأ لنا، فإذا لم يحدث ذلك، بدأ البحث عن أصابع خفية تعبث بالحرية الصحفية.

والحال أن استقلال الرأي لا يقاس بعدد من يرضى عنك، بل بعدد المرات التي قلت فيها ما تراه حقًّا رغم علمك أن البعض لن يرضى.

ولعل أقرب ما يختصر هذا المعنى ما يروى عن الإمام علي : «لم يُبقِ لي الحقُ من صديق».

وهي صرخة مدوية تؤكد أن قول الحق والمصارحة والتعبير الحر عن الرأي قد يفقدك جميع الأصدقاء؛ لأنك لا تحابيهم، ويكون قولك محايدًا غير منحاز.

هل بقي في الشرقية متسع للاختلاف دون خصومة؟

فالمجتمعات الحية لا تقاس بعدد المتفقين، بل بقدرتها على احتواء المختلفين.

وعندما تصبح الصداقة والموافقة والتماهي شرطًا للنشر، يموت الإعلام والحياد والمصداقية، فتكون المؤسسة الصحفية بهوية محددة مؤطرة وليست مهنية صِرفة. فحين يصبح الاختلاف سببًا للإقصاء، يموت الحوار.

أما حين تبقى الفكرة هي المعيار، فحتى المختلفون يستطيعون أن يجلسوا على الطاولة نفسها، ويتجادلوا، ثم يغادر كلٌّ منهم محتفظًا برأيه، وباحترامه للآخر.

وهذه هي الصداقة التي تستحق البقاء.

لا تلك التي تتوق لاستنساخنا في قالب واحد.

وصوتي يا انشراح …