آخر تحديث: 6 / 8 / 2026م - 9:49 م

(جعفر).. خيرٌ كثير

الشيخ سمير آل ربح

(جعفر خزعل).. بهذا الاسم عُرِفَ في الأوساط الاجتماعية. اسمٌ رنَّان في أرجاء بلدته، إذا ذُكر فلا ينصرفُ إلا إليه. من دون ألقابٍ ولا صفاتٍ ولا كُنى، لا لشيءٍ إلا لبساطته مع النَّاس، مع أنه: الطَّالب المثالي، والمؤمن المُتقي، والموالي المُخلص، والحاج النَّاسك، والخلوق ذو المواهب المتعدِّدة، والمربِّي القُدوة، والموظَّف الملتزم، والأستاذ القَدير، والمصلح الأُسري، والنَّاشط الاجتماعي، والصَّابر المحتسب.

وحين نذكر كُلَّ هذه الصفات فليست كلماتٍ إنشائية، بل واقعٌ ملموسٌ أدركه كلُّ من عاش في وسطه أو زامله أو صاحبه، أو حتى شاهده ورصدَ سلوكَه وأقوالَه وأفعالَه على الصَّعيد الشخصي أو العملي أو الاجتماعي.

عرفتُ أبا أحمد منذُ نعومة أظفارنا، ونحن على أبواب البلوغ والمراهقة واستمرَّت إلى الأخير.. نحوًا من نصف قرن. كانت كافيةً لأرصد خِصالَ الخير وسِمات الرُّجولة والشَّهامة فيه.

جعفر.. نهرٌ في الجنة

شَاءَتْ أمُّه أنْ تُسمِّيَه جعفرًا، اقتداءً بإمامها الصادق (صلوات الله عليه). وفي أصل الوضع هو النَّهر الصَّغير فوق الجدول (عن ابن الأعرابي. ابن منظور، اللسان)، وكذلك الناقة التي يمتلئ ضرعُها باللَّبن يطلق عليها جعفر، وهو يَرمز إلى الخير والعطاء، ثم نُقل هذا المعنى ليُصبح علمًا للمُذكَّر، ليُسقط على اسم الرَّجُل كثير الجود والكَرم، أي الَّذي يُرجى منه أنْ يكونَ كذلك. ويكفي في هذا الاسم شرفًا أنَّ الإمام الباقر سمَّى ابنَه به. وقيل أول من سُمِّيَ به هو جعفر بن أبي طالب ابن عم النَّبِيِّ ﷺ. عن أبي الحسن موسى قال: قال لي أبي: ”إنَّ في الجَنَّةِ نهرًا يُقال له: جَعفر على شَاطئِه الأيمن دُرَّةٌ بيضَاء فيها ألفُ قصرٍ، في كلِّ قصرٍ ألفُ قصرٍ لمحمَّد وآلِ محمَّد ﷺ، وعلى شاطئِه الأيسر دُرَّةٌ صفرَاء فيها ألفُ قصرٍ، في كلِّ قصر ألفُ قصرٍ لإبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ “. (الروضة من الكافي، الشيخ الكليني، 8/ 152، ح 137).

الطَّالب المثالي

لَمَسْنَا هذا الخيرَ الكثيرَ وهذا العطاءَ المتميِّز في جعفر (خزعل) بدءًا من أوائل إقباله على الحياة إلى حين رحيله، منذُ أنْ كنَّا طُلَّابًا على مقاعد الدراسة في المرحلتين: المتوسطة والثانوية. كان يُشار إليه بالبَنان طالبًا متفوِّقًا حريصًا على دراسته، ملتزمًا بالنِّظام العام في الوسط التربوي. كان يَنظر إليه أساتذتُه نظرةَ احترامٍ وتقدير، وزملاؤه نظرةَ اقتداءٍ وثناء. لم يأتِ هذا من فراغ، بل من جدٍّ في دراسته وانضباطٍ في سلوكه والتزامٍ في أخلاقه، في وقتٍ كانت (المشاغبة) في المدارس طابعًا عامًّا، وكانت (العصا) تقع على ظهر هذا أو ذاك نتيجة إهمالٍ في التَّحصيل أو سوء في السُّلوك. في تلك السنِّ المبكرة التحقَ بفرق الكشَّافة وفيها تشبَّع بالقِيم الأخلاقية العالية ممارسةً وفعلًا، كالتَّعاون والاحترام والانضباط وتقدير الوقت والعمل الجَمعي، وصفات القيادة من حزم وإرشاد وتوجيه.

طموح وإرادة

في ذلك الحين، كان يَظهر من بريق عينينه لمعانُ النَّظر إلى المستقبل والنَّظرة البعيدة. في وقت كان بعض الطلاب همُّه أنْ يُنهِيَ المرحلة المتوسطة (أو الثانوية على أبعد تقدير) ليلتحق بسوق العمل ويبدأ مسيرة الكَّدح والكدِّ. لكنَّه (جعفرًا) كان يرسم حينها ملامحَ مستقبلِه: بأيِّ جامعة يلتحق، وفي أيِّ كُليَّة يستقر، وأيَّ تخصُّص يدرس؛ لكي يشقَّ عُباب الحياة بسُفن العلم ومراكب المعرفة.

وهذا ما حصل؛ التحقَ بجامعة الملك سعود في كلية الآداب، وتخصَّص في علم النَّفس شغفًا بهذا الفرع من فروع العلوم الإنسانيَّة، ثم التحقَ بعدها بسلك التعليم ليعمل في مجال تخصُّصه مرشدًا طلابيًّا وموجِّهًا تربويًا.

المُرشِد المُوجِّه

كان يتعامل مع الطلاب في بداية مرحلة مراهقتهم (المرحلة المتوسطة)، وبعدها المرحلة الثانوية حين تكون أعمارهم بين 12- 18 سنة، والمعروف أنَّ البلوغَ في مناطقنا الحارَّة هو عند سن الثالثة عشرة، وأبو أحمد في أثناء عمله اليومي يرصد خروج الطالب من مرحلة الطُّفولة إلى مرحلة الرُّجولة. خروج من عنق الزُّجاجة، فهذا مراهقتُه سَلِسَلةٌ سهلةٌ لا صعوبات معها، وذاك مراهقتُه (عنيفة) تَبرز معها سِمات الاعتداد بالذَّات والشُّعور المبكِّر بالرُّجولة وما يصاحبها من عنفوان (وربما عنف)، وقد تأخذ معها مشكلات أخرى لسنا في صددها في هذه العجالة. إنما نحن في صدد هذا المُرشِد والمُوجِّه (أعني أبا أحمد).

كان أبًا رحيمًا لهؤلاء الطلاب.. مُرشِدًا.. مُوجِّهًا.. ناصحًا. يعالج مشكلةً تارة، ويدفع طالبًا مجتهدًا ليشق طريق العِلم بجدٍّ واجتهاد أخرى. وكم تصدَّر منصات تكريم الطلاب المتفوقين، واحتفى بهم بسبب تحصيلهم أو بسبب إنجازٍ من إنجازاتهم. ولا شكَّ أنَّ طلابَه الَّذين أصبحوا رجالَ الوطن يحملون رايته خفَّاقةً يحفظون له هذا الجميل، ويذكرونه بخيرٍ جرَّاء هذا الصَّنيع، ولو فُتِحَ المجالُ للحديث في هذا والكتابة عنه لسمعنا وقرأنا عشرات (بل مئات) القصص والمواقف. نرى فيه قولَ أحمد شوقي ذائع الصيت:

أَعَلِمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي
يَبني وَيُنشِئُ أَنفُسًا وَعُقولَا

الناشط الاجتماعي

وظَّف تخصصه في علم النفس في أنشطته العامَّة، في محاضراته وهو المتحدِّث البارع، وفي لقاءاته التربوية، يتحدَّث تارة عن ”مراهقة بلا أزمات“، ينقل فيها علمه وخبرته وممارسته وتعامله مع هذه المرحلة الحرجة من عمر الإنسان. وأخرى مصلحًا أُسريًّا في جمعية العوامية الخيرية، وثالثة مستشارًا تربويًا في ”البيت السعيد“ بصفوى، ورابعة مؤسِّسًا مشاركًا في ”أصدقاء الصِّحة النَّفسية“، وخامسة وسادسة...، وتطول القائمة. يجمعها أنه وظَّف تَخصُّصَه في سبيل خدمة مجتمعه المحلي داخل العوامية وخارجها؛ فلم تكن الدراسة (والتخصُّص) مجرَّد طريق للوظيفة، ما إن حصل عليها ضمَّ كُتبه في الأرشيف، وخلد للراحة مكتفيًا بدوام روتيني يذهب إليه كل يوم ويرجع! كلَّا، ليس الأمر كذلك. بل جعل التخصُّص رسالةً يحملها على عاتقه أينما ذهب: في البيت، وفي المدرسة، وفي المجتمع. ولم يكن نشاطه نشاطًا فرديًا محدودًا بل يعمل عملًا جَمعيًا ضمن إطار مؤسسي، تطرح فيه المشاريع وتُبلورُ الرؤى وتُرسم الخطَّة، لتأتي النتائج أكثر وأفضل وأعمق.

وحين يحتاج إليه مجتمعه تراه في الصَّدارة لا يتأخر، يبذل من وقته ومن جهده، وإن تعرَّض لبعض المشاق، ولسان حاله: ”اللَّهُمَ اغفرْ لهم“. إنْ حصل له أذى فلا يحمل الحقد ولا الكراهية، بل يرفع الرَّاية البيضاء متمثِّلًا قولَ المقنَّع الكِندي:

فَإِن يَأكُلوا لَحمي وَفَرتُ لحومَهُم
وَإِن يَهدِمُوا مَجدي بنيتُ لَهُم مَجدَا

وَإِن ضَيَّعوا غيبي حَفظتُ غيوبَهُم
وَإِن هُم هَوَوا غَيِّي هَوَيتُ لَهُم رُشدَا

كان على بصيرةٍ من أمره، يعرف ماذا يعمل وإلى أين يسير، ولم يكن متردِّدًا ولا متفرِّجًا ولا منتقدًا لمجرد الثَّرثرة والنَّقد. عن الإمام الصادق : (إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا...، وَأَلْهَمَهُ رُشْدَهُ، وَبَصَّرَهُ عُيُوبَ نَفْسِهِ) (الكافي، الشيخ الكليني، 2/ 130، ح 7).

الصَّابر المتحسب

وابتُلي قبل سنوات بمرض عُضال، واجهه بصبر وثبات، وبمتابعة علاجه أولًا بأول استطاع أن يتجاوز تلك المحنة بسلام، فجمع اللهُ له بين الأجر والعافية. عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم قال: (إِذَا مَرِضَ المُؤمِنُ أَوحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إلى صَاحِبِ الشِّمَالِ: لَا تَكْتُبْ عَلَى عَبْدِي مَا دَامَ فِي حَبْسِي وَوِثَاقِي ذَنْبًا، وَيُوحِي إِلَى صَاحِبِ اليَمِينِ: أَنِ اكْتُبْ لِعَبدِي مَا كُنْتَ تَكْتُبُهُ فِي صِحَّتِهِ مِنَ الحسَنَاتِ). ومرةً أخرى يُبتلى في جسده إثر حادث شنيع تعرَّض له قبل أيَّام كان ثمنُه أنْ فارقَ الحياةَ بسبب تهورٍ طائش. بقي يعاني من آثار هذا الحادث المؤسف، لكن هذا العناء لن يذهب سدًى عند الله سبحانه. عن الإمام جعفر الصادق قال: (إنَّ في الجَنَّةِ مَنزِلَةً لا يَبلُغُهَا عَبدٌ إِلَّا بِالِابتِلَاءِ فِي جَسَدِهِ). (الكافي، الشيخ الكليني، 2/ 255، ح 14). وإننا اللهَ تعالى نسأل أن يعوِّضه بما ابتلاه هذا الثواب العظيم.

مفارقة غريبة

ويا للمفارقة! بالأمس (13 شعبان 1435 هـ) كان أبو أحمد يتحدَّث في صحيفة الرياض عن (إرهاب الشوارع) ضمن تقرير أعدَّه الصَّحافي منير النمر إثر تعرُّض شابٍّ لحادث مروري نتيجة سرعة متهورة. يقول فقيدُنا: ”...، تكون السرعة بسبب إثبات القدرة وتحدِّي الأقران، فهم من يعززون تلك السلوكيات الخاطئة لدى المراهقين، فهو إمَّا أن ينتمي أو لا ينتمي لمجموعة الرفاق التي تتشكل مع بداية المراهقة، مبينًا أنه لعلاج مشكلة السرعة نحتاج إلى علاج سلوكي معرفي يصحِّح الأفكار الخاطئة من جهة، ويوضح أضرار السرعة على الفرد والآخرين من جهة أخرى“. كان همُّه الأول والأخير بثَّ الوعي في مجتمعه، إلا أنَّه وقع ضحيةَ هذا الجهل والتَّهوُّر والاندفاع غير المحسوب.

بصماته باقية

أبا أحمد..

قضيتَ عُمرك مع المراهقين في عَملك وفي محيطك وفي مجتمعك، مُتحدِّثًا إليهم ناصحًا، مربيًّا لهم بأحاديثك، بل بأفعالك، فأنت القدوة في هدوئك وفي تواضعك وفي احترامك وتقديرك لهم، وتركتَ بصمةً في نفوسٍ كانوا بالأمس ناشئين واليوم رجالًا مُكافحين، كلُّ واحد منهم له قصة أو أكثر معك. تركتَ أثرًا يتردِّد صداه في مجتمعك. هذا المجتمع الذي ما فتئ يردِّد: ”خيرُ النَّاسِ أنفعُهم للنَّاس“.

دعاء وختام

اللَّهُمَّ جَافِ الأرضَ عن جَنبَيهِ وصَعِّدْ رُوحَه إلى أَرْوَاحِ المُؤمِنِينَ في عِلِّيينَ وَأَلَحْقِهْ بِالصَّالحِينَ.

اللَّهُمَّ افسحْ له في قَبرِه ولَقِّنْه حُجَّتَه وثَبِّتْه بِالقَولِ الثَّابتِ وقِنَا وَإِيَّاهُ عَذَابَ القَبر.

والحمدُ للهِ ربَّ العالمين.