آخر تحديث: 6 / 8 / 2026م - 9:49 م

جغرافيا الأحكام … وخرائط الوعي!!

عبد الله صالح الخزعل

قبل فترة اتصل بي أحد الأصدقاء يسألني عن شابٍ مهندس من أبناء بلدتنا، خلوق ومن أسرة طيبة، متقدّم لخطبة ابنته. أثنيت عليه بما أعرفه، وقلت له: توكّل على الله «تراه رجلًا يُشترى». لكنّه فاجأني بجملةٍ قصيرة حملت أكثر مما تحتمل: ”يبقى قروي.“ بقيت الكلمة معلّقة في ذهني، لا لغرابتها، بل لأنها تكشف طريقة تفكيرٍ ما زالت تعيش بيننا رغم أن العالم تغيّر، واتسع الوعي، وتداخلت المدن والقرى حتى صار الناس يعيشون في عالمٍ واحد لا مكان فيه لهذه التصنيفات القديمة.

ولم تمضِ أيام حتى سمعت العبارة ذاتها تتكرر بطريقة مختلفة. حين كنت أستمع للمذياع، والمذيع يتحدث عن السفر وملاءمة الملابس للأماكن، ثم قال: ”لا تصير قروي في لبسك.“ هنا أدركت أن الأمر ليس مجرد كلمة، بل نمطٌ من الأحكام الجاهزة التي تُلصق بالناس والأماكن بلا منطق، وكأن كلمة ”قروي“ أصبحت رمزًا للنقص، أو مرآةً لمرتبة اجتماعية متوهّمة لا وجود لها إلا في الأذهان.

أنا لا أفهم كيف يمكن لإنسانٍ يعيش في هذا العصر أن يظلّ أسيرًا لفكرةٍ تربط القرية بالبساطة والمدينة بالحضارة. القرية اليوم فيها مهندسون وأطباء ومبدعون، والمدينة ليست ضمانًا للثقافة. الإنسان يُقاس بما يحمل في قلبه وعقله، لا بما تحمله بطاقة عنوانه. ومع ذلك، ما زال البعض يصرّ على حمل قاموسٍ قديم، يضع فيه الناس في خاناتٍ جاهزة، ويطلق أحكامًا لا تستند إلى منطقٍ ولا إلى تجربة، بل إلى صورٍ نمطية ورثها من زمنٍ مضى.

وحين نعود إلى الدين، نجد أن المسألة محسومة منذ البداية: ”إن أكرمكم عند الله أتقاكم.“ لا مكان في ميزان الأخلاق الإلهية لفكرة ”قروي“ و”مدني“. ورسولنا الكريم عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام عاش في بيئة بسيطة، ومع ذلك صنع أعظم حضارة عرفها التاريخ. فهل كان نقصًا؟ أم كان كمالًا؟ الدين لا يعترف بهذه التصنيفات، ولا يسمح بأن تُستخدم الجغرافيا كأداةٍ للانتقاص أو السخرية.

وأنا أدرك أن جذور هذه النظرة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج تربية غير واعية، وفكر اجتماعي قديم يعيد إنتاج الصور النمطية بلا مراجعة، ويجعل الإنسان أسيرًا لصورٍ مسبقة لا لخبرةٍ واقعية. وهذا يخلق وعيًا هشًا يظن أن المكان يصنع القيمة، بينما الحقيقة أن الإنسان هو الذي يصنع المكان.

علينا أن لا نقبل أن يُختزل إنسانٌ كامل في كلمةٍ تُشير إلى مكانه. ولا نقبل أن تُستخدم الجغرافيا كمعيارٍ للحكم على الناس. الاحترام يبدأ من الاعتراف بأن كل إنسان يحمل قصة وكرامة لا علاقة لها بموقع منزله على الخريطة. والعالم يتغير بسرعة، والوعي يتسع، ومن المؤسف أن تبقى بعض العقول أسيرة كلماتٍ قديمة تُستخدم للانتقاص لا للوصف.

ولذلك، فإن تجاوز هذه الأفكار يبدأ من إعادة تعريف المفاهيم، ومن إعادة الإنسان إلى مركز القيمة، ومن تعليم الأبناء أن الأصل لا يصنع الإنسان، وأن التجربة وحدها تُسقط الصور النمطية، وأن النقد الهادئ يكشف هشاشة هذه العبارات التي تبدو قوية وهي في الحقيقة فارغة. فالإنسان ليس ”قرويًا“ ولا ”مدنيًا“. الإنسان إنسان. يُقاس بما يحمل في قلبه وعقله، لا بما تحمله بطاقة عنوانه.