أبا أحمد.. إنا وجدناك صابرًا أوابًا
من عاشر الأستاذ والمربي الفاضل أبا أحمد جعفر علي خزعل رحمه الله أو حتى جالسه، يرى فيه الرجل الهادئ في حواره وحديثه، اللبق في تعامله، الصادق في حديثه. يرى فيه الرجل الوطني الذي دأب على خدمة مجتمعه ومحبته. ويرى تحلّيه بكثير من الخصال الكريمة والمناقب الحميدة.
غير أن من يسبر وجدانه ومشاعره، يراه العبد المؤمن الراضي بقضاء الله تعالى وقدره، المسّلم أمره إليه. وقد شهدت له عدة محطات مرت بثقلها عليه، وأنشبت مخالبها فيه، لكنه واجهها بقلب الراضي بقضاء الله وقدره، وبلسان يلهج بالدعاء والتوسل للتغلب عليها.
أثناء زيارتنا الأخيرة له في المستشفى بعد الحادث الأليم الذي أودى بصحته إلى حد إجراء خمس عمليات، لكلٍ منها آثارها وتبعاتها، إلا أنه استقبلنا بهدوئه المعهود، وابتسامته اللطيفة، وحديثه الرقيق. كان يروي لنا ما جرى عليه وشدته، بغير انفعال ولا تذمر.
راح يروي شيئًا من تفاصيل الحادث وما أعقبه من معاناة دون انفعال أو تذمر. كان الحادث وجهًا لوجه ثم تلته ضربة في جانب السيارة على يساره، الذي تسبب في عدم إمكانية فتح الباب إلا بتدخل الدفاع المدني. يقول: منذ اللحظات الأولى كنت استشعر لطف الله وعنايته، فتحت النافذة لاستنشق الهواء، ولأن الجو حار، تسبب لي بالعطش والجفاف. أراد بعض الأخوة المسعفين أن يسقوني شيئًا من الماء، إلا أن طبيبة مرت بجانب الحادث للاطمئنان وطلبتْ منهم الامتناع عن ذلك، لما في شرب الماء في مثل هذه الظروف من أثر غير جيد على المصاب، خوفًا من وجود نزيف داخلي.
لم يذكر من تسبب بالحادث بسوء، لم يندب حظه العاثر الذي ساقه لهذا الموقع ليحل به ما حل. أشار إلى الحالة العلاجية وما تبعها، وكان في كل حديثه يردد لطف الله تعالى به.
وأعادني هذا المشهد إلى مرضه السابق، حين ابتلي بأحد أنواع السرطان، وكيف تلقاه بقلب راض ونفس مطمئنة، ولا شك أن ذلك كان أحد الأسباب في شفائه منه. وكذلك حين ابتلي بمشكلة صحية لأحد أبنائه، واجهها بالصبر والاحتساب، مع الأخذ بأسباب العلاج، والإكثار من الدعاء والتوسل.
وفي العمل الاجتماعي وهو درب ليس مفروشًا بالورود دومًا، قد يدوس الشوك من يسلكه حدّ الإدماء، يمتحن في صبره وإخلاصه. وقد كان أبو أحمد رحمه الله ممن دأب على حب مجتمعه وسعى بما وسعه في عمل الخير. فإذا واجه الجميل شكر الله عليه، وإذا واجه البلاء صبر واحتسبه عند الله تعالى.
لهذا نجده في سيرته مثالًا لقوله تعالى:: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 44].
والأواب هو كثير الرجوع إلى الله تعالى، ملازم لطاعته، دائم الإنابة إليه. وليس معنى الأوبة مقصورًا على الرجوع من الذنب، بل تشمل دوام الالتجاء إلى الله، والاعتماد عليه، والرجوع إليه في السراء والضراء، وفي كلّ شأن من شؤون الحياة.
ولهذا وصف الله تعالى نبيه داود بقوله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 17]، ووصف ابنه سليمان بقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 30]. فمع ما آتاهما الله من قوة وملك، كانا يرجعان إليه في كلّ أمر، فلا تغرهما الدنيا، ولا يصيبهما كبر أو غرور.
وأيوب النبي
الذي ابتلاه الله بأمور تدك راسيات الجبال إلا أنه كان محتسبًا يرجع في ابتلاءته لله عز وجل ويصبر عليها، ولا يلجأ إلا إليه، حتى نال ثناء ربه الخالد واستحق ثوابه.
ومن عرف أبا أحمد، ورأى صبره في مواطن البلاء، وطمأنينته عند الشدائد، واستسلامه لحكمة الله، أدرك أنه كان يحمل شيئًا من هذا المعنى الكريم؛ معنى العبد الذي يرجع إلى ربه في كلّ أحواله، ويجعل الإيمان زاده عند المحن، فلا يجزع، ولا يعترض، ولا ييأس.
تلك هي الصورة التي عرفناه بها، نحسبه كذلك، ولا نزكي على الله أحدًا، والله سبحانه أعلم بسريرته، وهو أكرم من أن يضيع أجر الصابرين
رحمك الله يا أبا أحمد وأحسن مثواك، وجزاك بما صبرت واحتسبت جنة عرضها السماوات والأرض مع الشهداء والصديقين والنبيين، مع رسول الرحمة محمد وآله الطاهرين.













