آخر تحديث: 6 / 8 / 2026م - 9:49 م

عندما تسبق الصورة الجودة

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم * صحيفة اليوم

ذهبت إلى مطعم يتكرر اسمه كثيرًا في مقاطع التواصل الاجتماعي. صور جذابة، وأطباق تبدو وكأنها خرجت من إعلان عالمي، وتعليقات تجعل الزائر يشعر أنه على موعد مع تجربة استثنائية.

وصلنا.

المواقف قليلة، والمكان عادي جدًا، والطاولات ليست ممتلئة كما توقعت. العاملون كثر، لكن الخدمة بطيئة بصورة لافتة، والطعام.. أقل من عادي، بينما الأسعار توحي بأنك ستعيش تجربة مختلفة.

وأنا أغادر، لم يكن انطباعي أن المطعم سيئ، بقدر ما كان سؤال يدور في ذهني: ماذا يحدث عندما يصبح التصوير أفضل من المنتج نفسه؟

لم يعد التسويق اليوم مجرد وسيلة للتعريف بالمشاريع، بل أصبح قادرًا على صناعة توقعات هائلة.

ومع الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي، والفلاتر، والمونتاج، والتسويق عبر المؤثرين، أصبح من السهل أن يبدو كل شيء مثاليًا قبل أن يراه الناس على أرض الواقع.

لكن المشكلة ليست في التسويق.

المشكلة تبدأ عندما يتجاوز التسويق قدرة المنتج على الوفاء بوعده.

في علم الإدارة، يقال إن رضا العميل لا يتحدد بما قدمته له، بل بالفارق بين ما توقعه وما وجده.

لذلك، قد يقدم مطعم متواضع طعامًا لذيذًا وخدمة جيدة، فيخرج الزائر سعيدًا، بينما يغادر مطعم آخر فاخر بانطباع سلبي، رغم أنه ليس سيئًا، وإنما لأنه وعد بأكثر مما يستطيع تقديمه.

وهذه ليست مشكلة المطاعم وحدها.

كم مشروع أُطلق بحملات إعلامية ضخمة، وصور احترافية، وافتتاحات رسمية، ثم بعد أشهر عاد إلى واقعه الأول؟

وكم خدمة بدأت بكامل الإمكانات حتى تحقق مؤشرًا، أو شهادة، أو هدفًا مرحليًا، ثم تراجعت بمجرد انتهاء المناسبة؟

النجاح المستدام لا يقاس بلحظة الافتتاح، بل بما يراه المستفيد بعد عام أو عامين.

هنا يأتي دور الحوكمة.

فالهدف من الحوكمة هوحماية جودة المنتج من أن تصبح رهينة للحماس المؤقت أو الحملات الإعلامية. وهي التي تسأل: هل تستطيع المحافظة على هذا المستوى؟ هل الموارد كافية؟ هل التجربة التي يعيشها المستفيد بعد ستة أشهر ستكون مثل التجربة التي صورناها في الإعلان؟

لأن السمعة لا تُبنى بالإعلان، بل بالتجربة المتكررة.

بل إن التسويق المبالغ فيه قد يتحول إلى عبء على المشروع نفسه. فعندما يرتفع سقف التوقعات كثيرًا، يصبح أي مستوى أقل من الكمال مخيبًا للآمال، حتى لو كان مقبولًا في الظروف الطبيعية.

لهذا نجد أن بعض المشاريع تنجح بهدوء. لا تعد الناس بالمستحيل، لكنها تقدم خدمة مستقرة ومحترمة في كل مرة. وبعد سنوات تصبح هي الخيار الأول، ليس لأنها الأكثر تسويقًا، بل لأنها الأكثر ثباتًا.

وفي المقابل، هناك مشاريع تنفق بسخاء على التصوير، وتطلق حملات العلاقات العامة، وتتصدر وسائل التواصل، ثم يكتشف الناس أن الواقع مختلف. والمفارقة أن هذه الحملات لا تضيع أموالًا فحسب، بل قد تؤثر في رأس المال الأهم لأي مشروع، وهو ثقة العملاء.

في زمن أصبحت فيه الصورة قابلة للتعديل بضغطة زر، بقي شيء واحد لا يمكن تعديله بالفلاتر أو الذكاء الاصطناعي..

تجربة الإنسان.

فالعميل قد ينسى الإعلان، لكنه لا ينسى شعوره عندما دفع أكثر مما يستحق، أو انتظر أكثر مما ينبغي، أو اكتشف أن الواقع أقل بكثير مما وُعد به.

لهذا، ربما لم تعد الميزة التنافسية الحقيقية هي أجمل صورة، ولا أكثر فيديو انتشارًا، بل أن يكون الواقع جميلًا بالقدر نفسه الذي يظهر على الشاشة.

استشارية طب أسرة
مستشار الجودة وسلامة المرضى
مستشار التخطيط والتميز المؤسسي
كاتبة رأي