الجهل المركب
الجهل عمومًا يمثل تهديدًا للحياة، ولاستقرار المجتمعات الإنسانية، وهو خلل يصيب الروح ويقتل كل معرفة وفضيلة عند الإنسان.
إن النفس البشرية مهددة، تمرض كما يمرض الجسد، وتغرق في أوهام خطيرة، فإذا لم تُتدارك؛ فإنها ستحتاج إلى الدواء، وأحيانًا إلى العلاج الشديد، وقد تتطلب عملية جراحية لاستئصال الأفكار المتعصبة الفاسدة، وهي ما تُسمّى عملية التطهير، للسلوك ولتلك الانفعالات الجسدية المريضة.
إن الانحراف الأخلاقي لدى بعض البشر يأتي بغياب الممارسات المعرفية السليمة، وعندما تحل مكانها الرغبات السلوكية غير السوية، البعيدة عن الوقائع المشروعة والقائمة على أسس وحياء، ومبادئ أخلاقية ومعرفية ذات إدراك ونضج معرفي، وتنفيذ مستدام سلوكي وعملي، فيها القوة والمناعة، مما يهيئ اللحظة التي تمنع أي مرض بالجهل والتقهقر، وبتدارك جهل أكثر خطورة يُسمّى الجهل المركب.
الجهل المركب، كما جاء في التعريف، هو أخطر أنواع الجهل، ووصفه ومعناه يتضحان في هذا المثال: هناك جاهل، وجاهل بجهله، وفضلًا عن ذلك؛ فهو واثق بنفسه، لديه اليقين الخاطئ وعنده معلومات خاطئة، لكنه مقتنع مئة بالمئة أنها صحيحة، شخص جاهل لا يقبل النقاش لاعتقاده أنه يفهم كل شيء، يجادل بغير علم، ويفتي ويحكم وهو ليس لديه أساس، وإن أقرب مثال على ذلك ما قد جاء من الواقع، شخص قرأ عنوان مقال طبي واحد، وصار يعطي العلاجات، ويظن أنه يعرف، ولا يعرف أنه لا يعرف، ويتصرف وكأنه طبيب.
سُمِّي مركبًا، كما جاء كذلك، بالتوضيح الأكثر دقة، لأنه مركب من جهلين متراكمين، أولًا جهل بالموضوع نفسه، وثانيًا بأنه جاهل به.
مثال في الدين والإفتاء، شخص يسمع خطبة أو يقرأ آية ويحفظها، وصار يحرم ويحلل وفق هواه في المجموعات، يقول: «الدين واضح»، وهو لم يدرس فقهًا ولا أصولًا، هذا هو جهل مركب، لأنه يفتي بغير علم ويظن أنه على حق، فالأمثلة كثيرة، في التربية، والاستثمار، والطب والصحة وغيرها الكثير.
وفي إضاءة جميلة على كتاب الرُّشُد الاجتماعي «رؤية قرآنية» لسماحة الشيخ العلامة حسن بن موسى الصفار، الإصدار - الطبعة الثانية - الذي شمل في صفحاته العديد من الفصول والمحتويات الغنية بنودها، في التدبر القرآني الكريم، ومبادئ التعايش الإنساني، وثقافة الرشد الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية.
ففي الصفحة «73» من الكتاب، تحت عنوان «حرية الرأي وتقدم المجتمع»، أوضح سماحته - حفظه الله - أن التقدم والتخلف في المجتمعات ليسا عفويين، ولا يأتيان بالصدفة، أو بسوء الحظ، وإنما هناك وضع يعيشه المجتمع، ينتج تخلفًا أو تقدمًا، موضحًا سماحته، أنه بالإمكان التنبؤ بمستقبل أي مجتمع، من خلال دراسة ما يعيشه من عقليات وسلوكيات يتطبع بها أفراده، فإذا كانت هذه العقليات والسلوكيات منتجة للنهوض، فإن مجتمعها مرشح للتقدم، بينما لو كانت منتجة للجمود والتحجر، فإن المجتمع الخاضع لها سيعيش حالة من التخلف، مما يضاف إلى ما قد سلط عليه الضوء بموضوعنا هذا، المعنى الآتي: أن الجهل يولد التخلف، أو قد يكون العكس صحيحًا.













