ما هو الخطأ في التعامل مع هذا الطفل؟
وردتني هذه الرسالة على الخاص، كانت السبب لكتابة هذا الموضوع.
عندي طفل عمره الآن خمس سنوات. عندما كان عمره ثمانية أشهر بدأ يمص إصبعه، ولا يزال مستمرًا في ذلك إلى اليوم.
منذ فترة لاحظت أنه إذا استيقظ من النوم وهو منزعج يبدأ بمص إصبعه، وكذلك إذا غضب أو لم تُلبَّ له رغبته مباشرة، يلجأ إلى مص الإصبع حتى يهدأ.
كما أنه منذ فترة بدأ يتأتئ في الكلام فجأة، ولا أعرف السبب. وأتذكر أنه في السابق كانت أخواتي وبنات خالاته يخوفنه، فكانوا يلبسون أشياء على وجوههم لإخافته. وحدث أيضًا أن جده أخرجه مرة إلى خارج الغرفة ثم أغلق الباب عليه، فظل يبكي ويصرخ لفترة طويلة حتى تبول على نفسه من شدة الخوف.
بعد تلك المواقف أصبح طفلًا كثير الخوف، ثم بدأت التأتأة تظهر لديه، مع أنه قبل ذلك كان يتكلم بطلاقة ووضوح، وما شاء الله كان فصيحًا جدًا.
راجعنا المستشفى، لكن الطبيب قال إنه لا يوجد شيء يدعو للقلق، ولم يوضح لنا سبب ما يحدث.
فما رأيكم؟ وهل يمكن أن تكون هذه التأتأة مرتبطة بمواقف الخوف التي تعرض لها؟ وما الطريقة الصحيحة للتعامل معها وعلاجها؟
ما هو الخطأ في التعامل مع هذا الطفل؟
قد يلفت الانتباه في هذه الحالة استمرار الطفل في مص إصبعه، أو ظهور التأتأة بعد أن كان يتحدث بطلاقة، إلا أن التوقف عند هذه الأعراض وحدها قد يحجب عنا المشكلة الأساسية. فهذه السلوكيات قد تكون في كثير من الأحيان رسائل يبعث بها الطفل تعبر عن احتياجه إلى الشعور بالأمان، أكثر من كونها المشكلة نفسها.
فالطفل في سنواته الأولى يبني ثقته بالعالم من خلال الأشخاص المحيطين به، وكلما شعر بالأمان والاستقرار العاطفي نما نموًا نفسيًا ولغويًا بصورة أفضل. أما إذا تعرض لمواقف تثير الخوف أو القلق بصورة متكررة، فقد تنعكس هذه التجارب على سلوكه ومشاعره، وربما على طريقة كلامه أيضًا.
أولًا: تحويل الخوف إلى وسيلة للترفيه
من الأخطاء التربوية التي قد لا ينتبه إليها كثير من الناس استخدام التخويف وسيلة للضحك أو المزاح مع الطفل. فقد يلجأ بعض أفراد الأسرة إلى ارتداء أقنعة، أو تغطية وجوههم، أو الاختباء لإخافة الطفل، ثم يضحكون عندما يرون رد فعله.
لكن الطفل لا يدرك أن ما يحدث مجرد مزاح؛ فهو يراه موقفًا حقيقيًا يهدد أمنه وسلامته. وفي هذه المرحلة العمرية لا تكون قدرته على التمييز بين الحقيقة والتمثيل قد اكتملت، ولذلك يتعامل مع الموقف بكل مشاعره، فيرتفع لديه مستوى الخوف والتوتر.
ومع تكرار هذه المواقف قد يصبح الطفل أكثر حساسية، وأكثر استعدادًا للشعور بالخوف من المواقف الجديدة، وقد يفقد شيئًا من شعوره بالأمان. ومن هنا فإن التخويف لا يصنع طفلًا شجاعًا، بل قد يزرع في داخله القلق والترقب.
ثانيًا: فقدان الإحساس بالأمان
من أكثر المواقف تأثيرًا في نفس الطفل أن يُترك وحيدًا وهو يبكي ويستغيث دون أن يجد من يستجيب له.
وفي هذه الحالة ذُكر أن الطفل أُغلق عليه الباب، وظل يبكي بشدة حتى تبول على نفسه من شدة الخوف. وقد يبدو هذا الموقف للبعض عابرًا، لكنه بالنسبة لطفل صغير قد يكون تجربة نفسية قاسية.
فالطفل في هذه السن يعتمد على الكبار ليشعر بالأمان، وعندما يظن أنهم تخلوا عنه، أو أنه أصبح وحيدًا في مواجهة خوفه، فإن ذلك قد يترك أثرًا نفسيًا عميقًا.
ولهذا قد يبدأ الطفل في البحث عن وسائل تمنحه شيئًا من الطمأنينة، مثل مص الإصبع، أو التعلق الزائد بوالديه، أو الخوف من الابتعاد عنهما، أو كثرة البكاء، أو اضطرابات النوم.
ثالثًا: الاعتقاد أن البكاء يقوي شخصية الطفل
يظن بعض الناس أن ترك الطفل يبكي حتى يهدأ وحده، أو تعريضه لمواقف مخيفة، يساعده على اكتساب الشجاعة والاعتماد على النفس.
غير أن الدراسات النفسية الحديثة تشير إلى أن الطفل الصغير لا يفسر هذه المواقف بهذه الطريقة، بل قد يشعر بأنه تُرك دون حماية، وأن من يعتمد عليهم لم يكونوا بجانبه عندما احتاج إليهم.
والنتيجة ليست زيادة الشجاعة، وإنما قد تكون زيادة القلق، وضعف الإحساس بالأمان، وصعوبة في التعامل مع المواقف الجديدة.
إن الطفل لا يحتاج إلى أن نختبر شجاعته بالتخويف، وإنما يحتاج إلى أن نبني ثقته بنفسه تدريجيًا في بيئة يشعر فيها بالحماية والاحتواء.
رابعًا: تجاهل الرسائل التي يرسلها الطفل
استمرار مص الإصبع في عمر خمس سنوات لا ينبغي النظر إليه على أنه مجرد عادة سيئة، بل قد يكون وسيلة يلجأ إليها الطفل لتهدئة نفسه عندما يشعر بالتوتر أو الغضب أو القلق.
فالطفل لا يملك دائمًا القدرة على التعبير عن مشاعره بالكلمات، ولذلك يعبر عنها بالسلوك.
ولهذا نلاحظ أن بعض الأطفال يمصون إصبعهم عند الاستيقاظ من النوم، أو عند الغضب، أو عندما لا تتحقق رغباتهم مباشرة، أو في المواقف التي يشعرون فيها بعدم الأمان.
ومن الخطأ أن ينصب الاهتمام كله على منع مص الإصبع، دون محاولة فهم السبب الذي يدفع الطفل إلى هذا السلوك.
خامسًا: الضغط على الطفل بسبب التأتأة
عندما تبدأ التأتأة عند الطفل، يشعر كثير من الوالدين بالقلق، وقد يحاولون مساعدته بعبارات مثل: ”تكلم بهدوء“، أو ”أعد الكلمة“، أو ”لا تتأتأ“، أو ”تكلم بسرعة“.
ورغم حسن النية، فإن هذه العبارات قد تزيد من توتر الطفل، لأنه يصبح منشغلًا بطريقة كلامه أكثر من انشغاله بما يريد قوله.
وقد يشعر بالخجل أو الخوف من الحديث أمام الآخرين، مما يؤدي إلى زيادة التأتأة بدلًا من تحسنها.
والأسلوب الصحيح هو الاستماع إليه بصبر، ومنحه الوقت الكافي للتعبير، وعدم مقاطعته أو إكمال الكلمات نيابة عنه، مع تشجيعه وإشعاره بأن قيمته لا تتوقف على طريقة نطقه.
سادسًا: تعدد الأشخاص الذين يربون الطفل
من الملاحظ في هذه الحالة أن الطفل يتعامل مع عدد كبير من أفراد الأسرة، ولكل واحد منهم أسلوبه في التربية.
فإذا كان أحدهم يستخدم التخويف، وآخر يلجأ إلى العقاب، وثالث يبالغ في التدليل، فإن الطفل قد يعيش حالة من الارتباك وعدم الاستقرار.
والطفل يحتاج إلى أسلوب تربوي متقارب بين جميع من يعتنون به، حتى يشعر بالثبات والوضوح، ويعرف ما هو متوقع منه، وما الذي يمكن أن ينتظره من المحيطين به.
هذا الطفل لا يحتاج إلى مزيد من التخويف حتى يصبح شجاعًا، ولا إلى اللوم لأنه يمص إصبعه، ولا إلى الضغط عليه بسبب التأتأة.
إن ما يحتاج إليه أولًا هو أن يستعيد شعوره بالأمان.
ويتحقق ذلك من خلال احتضانه، والاقتراب منه، والاستماع إليه، وتشجيعه، والابتعاد تمامًا عن أي مواقف تثير خوفه أو تسخر من مشاعره.
كما ينبغي أن يُمنح الوقت الكافي للتحدث دون استعجال، وأن يُشجع على التعبير عن نفسه بحرية، مع مراجعة اختصاصي علاج النطق واللغة إذا استمرت التأتأة، والاستعانة باختصاصي نفسي للأطفال إذا كانت المخاوف والقلق ما زالت تؤثر في حياته اليومية.
قد ينسى الكبار موقفًا أخافوا فيه طفلًا قبل سنوات، لكن الطفل قد يحتفظ بأثر ذلك الموقف في داخله مدة طويلة.
ولهذا فإن التربية ليست في اختبار شجاعة الطفل بالتخويف، ولا في تعريضه لمواقف قاسية ليعتاد عليها، وإنما في منحه الشعور بالأمان الذي ينطلق منه إلى العالم بثقة واطمئنان.
إن الأطفال ينمون نفسيًا وعاطفيًا في البيئات التي يسودها الحب والرحمة والاحتواء، وكلما شعر الطفل أن أسرته هي الملاذ الآمن الذي يعود إليه عند الخوف، ازدادت ثقته بنفسه، وتحسن تواصله مع الآخرين، وكان أكثر قدرة على تجاوز الصعوبات التي قد تواجهه.
فالأمان ليس مجرد شعور جميل، بل هو أحد أهم الاحتياجات النفسية التي يقوم عليها نمو الطفل السليم، وهو الأساس الذي تُبنى عليه شخصيته، وثقته بنفسه، وصحته النفسية في المستقبل.













