اختصار المشهد!
أربعينية الإمام الحسين ليست مجرد استذكار لحدث تاريخي، أو طقوسًا اجتماعية، ولا محطة حزن يعيشها ملايينُ كسروا الخط الزماني والمكاني، بل هي في مفهومها إعادة تنظيم للبوصلة الإنسانية ونظام عالم الوجود بأكمله.
باختصار المشهد، وما يُدار هناك من إعجاز، يفوق كل القوانين والأنظمة البشرية، مسيرة الأربعين ليست مجرد مسير نحو موقع جغرافي وبقعة تُعد من أشرف البقاع على الأرض، وإنما مسير نحو الخلود.
حيث تتلاشى في هذا المدار الكوني المظاهر الاعتبارية التي صنعها البشر، من طبقات اجتماعية، وهوية ضيقة، وحسابات نفعية، مشهد تلاشت فيه كل تلك العناوين الدنيوية، ليصبح الجميع سالكين في مدار واحد، وهو العشق المطلق من غير مقابل.
فالمجتمع الأربعيني يقدم أنموذجًا فريدًا، حيث تتراجع فلسفة التملك والاستحواذ لصالح فلسفة العطاء المحض، فيكون الجود بالذات والمال والجهد هو اللغة الوحيدة، حيث المحبة والخدمة التي لا نظير لها.
تُعيد الأربعين صياغة العلاقة بين الروح والجسد، حيث يتحمل الجسد مشاق السفر الطويل وتلك المسافات الشاسعة بإلهام ودفع من الروح المشتاقة، فيغدو الجسد مطية لسمو الروح، وتتحول الأقدام والأبدان المتعبة إلى أدوات للتعبير عن الولاء لمبدأ أعلى وأسمى من رغبات المادة وراحتها، وهنا تجسير الفجوة بين الروح، والجسد المادي.
إن أربعينية الإمام الحسين هي إعلان وجودي مستمر بأن الخير والعدل ليسا مجرد مفارقة للواقع أو وهمًا، بل حقيقة تتدفق في شرايين الحياة، إنها الشهادة القاطعة على أن الحق، مهما تزاحمت عليه ظلمات الباطل، يظل هو المحور الذي تدور حوله حركة الوجود، وأن الإمام الحسين
ليس شخصًا مر في الزمان، بل هو سر الوجود الحاضر في كل زمان ومكان.













