سلم لمن سالمكم
تكتسب هذه الفقرة من زيارة عاشوراء عمقًا عقائديًا عند تفكيكها من المنظورين النفسي والاجتماعي بأبعادهما التاريخية، حيث تتحول من مجرد عبارة شعائرية إلى دستور عملي يحدد هوية الإنسان المسلم ومواقفه في الحياة.
فمن جهة الأبعاد العقائدية «الولاء والبراء»:
تمثل هذه العبارة التطبيق العملي والمباشر لركنين أساسيين من أركان العقيدة الإسلامية في مدرسة أهل البيت
:
فعقيدة التولي تعني الحب والنصرة والطاعة المطلقة لأولياء الله، والانسجام التام مع منهجهم الفكري والأخلاقي.
أما عقيدة التبري فتعني البراءة القلبية والعملية من الظلم والجور، ومقاطعة خطوط الانحراف التي تحارب قيم السماء.
وهنا يظهر التلازم الحتمي؛ فلا يصح إيمان المرء بالتولي دون التبري؛ فالمحبة الحقيقية للأئمة تقتضي بالضرورة بغض ورفض من ظلمهم وحارب مشروعهم الإلهي.
ولبيان محورية القيادة الشريفة، فإن السلم والحرب ليسا نابعين من أهواء شخصية أو مصالح دنيوية، بل هما متمحوران حول رضا المعصوم ونهجه «سالمكم / حاربكم»، مما يجعل موقف الإنسان الموالي متصلًا بمرضاة الله سبحانه.
ومن جهة الأبعاد التاريخية: الامتداد والمصداق، فتاريخيًا لم تكن هذه الكلمات وليدة لحظة عاطفية، بل هي قراءة واعية لخط الصراع المستمر بين الحق والباطل.
وهي امتداد لنهج الرسول ﷺ؛ فهذه العبارة هي نص قول النبي محمد ﷺ في حق علي وفاطمة والحسن والحسين
حين قال: «أَنَا حَرْبٌ لِمَنْ حَارَبْتُمْ، وَسِلْمٌ لِمَنْ سَالَمْتُمْ»، مما يمنحها شرعية وجذورًا نبوية أصيلة.
وكربلاء تمثل خطًا فاصلًا؛ ففي العام 61 هـ، تجسد الصراع بشكل جلي بين معسكر يمثل قيم العدالة والحرية «الإمام الحسين»، ومعسكر يمثل الاستبداد والفساد.
ولإسقاط الماضي على الحاضر: لا بد من قراءة العبارة بصيغة المضارع «لمن سالمكم / لمن حاربكم»، فيحول ذلك الحدث التاريخي من واقعة جرت في الماضي إلى معركة قيم مستمرة وممتدة عبر العصور؛ فكل من يحارب العدل اليوم هو امتداد لمن وقف في وجه الحسين
، وكل من ينصره هو امتداد للحسين.
ويتجلى الأثر السلوكي في حياة المؤمن حين تتحول العبارة من مفهوم نظري إلى ممارسة يومية عبر:
الوضوح الثقافي والاجتماعي، وذلك من خلال رفض الرمادية، وتجنب الوقوف في المناطق الوسطى عندما يتعلق الأمر بقضايا الحق والباطل.
والسلم المجتمعي: عن طريق نشر السلام والمحبة مع كل من يسالم خط العدل والإنسانية، وبناء مجتمع مترابط على أساس القيم المشتركة.
ولا يمكن إغفال الآثار التربوية لهذه العبارة في بناء الأجيال؛ إذ إنها تعد نبراسًا في بناء شخصية متكاملة للجيل الناشئ، وتسهم في تحقيق مجموعة من الأهداف، منها:
أولًا: بناء الهوية المستقلة التي تحمي الشباب من الذوبان في الثقافات الدخيلة، وتمنحهم اعتزازًا بالانتماء لخط قيمي واضح.
ثانيًا: التربية على الشجاعة الأدبية، وذلك عن طريق تعويد الفرد على إعلان موقفه الحق دون خوف أو خجل، ورفض مسايرة الخطأ والمحاباة على حساب المبادئ، مع مراعاة توجيهات الفقهاء.
ثالثًا: تحصين الوعي «البصيرة»؛ ففيها تدريب للعقل على تصنيف الأحداث والأشخاص بناءً على معايير أخلاقية وعقائدية ثابتة، وليس بناءً على المصالح المادية المؤقتة.
رابعًا: صناعة الإنسان الرسالي؛ إذ يتحول الفرد من مستهلك للأفكار إلى مدافع عن الحق ومشارك في نشر السلام وبناء مجتمع عادل.













