آخر تحديث: 4 / 8 / 2026م - 10:22 م

بين الإتقان أو الإمكان

ياسر بوصالح

اقترحتُ على أحد المفكّرين تفعيل أدوات الذكاء الصناعي لترجمة كتبه إلى اللغات الحيّة، فابتسم وقال إن الترجمة ليست «سلق بيض» أو نقلًا حرفيًا للنص، بل هي فهمٌ للفكرة في عمقها، ولا ينهض بها إلا من خبر سياقها وتذوّق روحها، فالمسألة ليست إمضاءً كيفما كان، بل صنعةٌ دقيقة تحتاج إلى بصيرةٍ ومعرفة، إذ إن العمل الفكري لا يُختزل في آليةٍ سريعة أو معالجةٍ لغويةٍ جامدة، وهنا يصدق قول النبيّ الأعظم ﷺ «إنّ الله يحبّ إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه» [1] .

قلت له: أتفق معك، ولكن جزئيًا؛ فالإتقان غايةٌ لا يُختلف عليها، غير أن الإتقان نفسه قد يتحول أحيانًا إلى عبء أو سببٍ لتأجيل العمل إذا لم تُراعَ حدود الواقع وكما يقول أحد العلماء «من كثرت قيوده قلّ وجوده» فإلى أن تجد مترجمًا يحمل هذا العمق؟ وإلى أن يتوفر العمر والمال اللذان يسعان ذلك؟ قد يمضي الوقت ويبقى المشروع معلّقًا بين رغبة الإتقان وضيق الوسيلة ولعلّ من الحلول الواقعية أن تُستثمر أدوات الذكاء الصناعي لإنتاج مسودة أولى، ثم تُراجع وتُهذّب على يد مترجم متمكن، فيجتمع اختصار الجهد مع حفظ الجودة ومع ذلك يبقى السؤال قائمًا: ماذا نفعل حين تكون الغاية أكبر من القدرة، والوقت أضيق من الطموح؟

عند هذه النقطة تحديدًا تتقدّم حكمةٌ أخرى، لا لتعارض الإتقان، بل لتكمّله وتضبطه بميزانٍ واقعيٍّ دقيق؛ وهي حكمة أمير المؤمنين «امشِ بدائك ما مشى بك» [2]  وإن كانت هذه الحكمة قد قيلت في سياقٍ مخصوص، فإن معناها العام يفتح بابًا للتعامل مع حدود القدرة والطاقة فهي ليست دعوةً إلى التراخي، بل إلى التكيّف مع حدود الإمكان، وإلى أن يعمل الإنسان بما يستطيع دون أن يجعل الكمال شرطًا للحركة فالإتقان شريعةُ القدرة، والمشي مع الداء شريعةُ الإمكان، وبينهما يمضي الإنسان كل يوم يُحسن حين يقدر، ويتكيّف حين تضيق السبل.

وهكذا يتّضح أن النصّين لا يتعارضان، بل يتكاملان الإتقان حين تتوفر الوسائل، والتيسير حين تضيق السبل فليس المطلوب أن نؤجل الأعمال حتى تكتمل أسبابها، وإنما أن نمضي بما نملك من وسيلة، مع بقاء الإتقان غايةً نسعى إليها كلما اتسعت لنا القدرة.

[1]  مجمع الزوائد الهيثمي ج 4 ص 98

[2]  نهج البلاغة ج 4 ص 7