الأربعين… حين ينتصر المعنى على الزمن
ليست الحقائق ابنةَ الزمن؛ الزمن هو الذي يُمتحن بها. كم من أحداثٍ هزّت العالم ساعة وقوعها، ثم انطفأت بانطفاء شهودها، وكم من أسماءٍ ملأت الآفاق، ثم لم يبقَ منها سوى أثرٍ باهت في بطون الكتب. فالزمن لا يمنح الخلود لأحد، وإنما يكشف ما يستحقه؛ إذ لا يبقى إلا ما استطاع أن يتحرر من لحظته، ويغادر ظرفه التاريخي، ويغدو حقيقةً تتجاوز شهودها إلى كل من يفتش عن معنى وجوده.
لهذا لا تُقرأ عاشوراء بوصفها حادثةً وقعت سنة إحدى وستين للهجرة؛ فالوقائع التي لا تتجاوز زمانها تمضي بانقضائه، أما عاشوراء فقد خرجت من حدود التاريخ منذ اللحظة التي تحولت فيها من صراعٍ على السلطة إلى سؤالٍ عن الإنسان. ومنذ ذلك الحين لم تعد ملكًا للماضي، وإنما غدت جزءًا من الضمير الإنساني؛ تستيقظ كلما وقف الإنسان أمام نفسه، وسألها عمّا يستحق أن يُعاش من أجله.
وتأتي الأربعين بوصفها التجلي الأوضح لهذا التحرر من سلطان الزمن. فهي ليست امتدادًا زمنيًا لعاشوراء، وإنما استمرارٌ لحقيقتها. فالذكرى تحفظها الذاكرة، أما الحقيقة فيحفظها الوعي. والذاكرة يعتريها النسيان، أما الوعي فينهض من جديد كلما واجه الإنسان سؤالًا لا يملك أن يفرّ منه.
لهذا لا تكمن قيمة الأربعين في اجتماع الملايين، على جلال المشهد وعظمته، ولا في طول الطريق وما يحمله من مشقة، وإنما في قدرتها على أن تكشف ما بقي حيًا في الإنسان بعد أن استهلكته الأيام. إنها تذكّره بأن الضمير ما يزال قادرًا على الاجتماع حول قيمةٍ لا تُشترى، وأن الإنسان لا يفقد جوهره ما دام قادرًا على تفضيل الحق على المنفعة، والكرامة على السلامة.
فالإنسان لا يعيش بما يملك، وإنما بما يمنح حياته معنًى. وما من فراغٍ أشدُّ قسوةً من حياةٍ امتلأت بالأشياء، وخلت من الغاية. فالعمر الذي لا يحمل رسالةً ليس إلا زمنًا يستهلك نفسه، ويعبر العالم دون أن يترك فيه أثرًا من نور.
لهذا جاءت كربلاء لتعيد ترتيب سُلَّم القيم، لا موازين القوى. فلم تجعل البقاء أغلى من الكرامة، ولا السلامة أثمن من الحقيقة، ولا القوة ميزانًا للانتصار. لقد نقلت مركز الثقل من الخارج إلى الداخل، ومن امتلاك العالم إلى امتلاك النفس، ومن سؤال: «كيف نعيش؟» إلى السؤال الذي لا يكف عن ملاحقة الإنسان: «لماذا نعيش؟».
ومن هنا لم يعد الحسين شخصيةً يرويها التاريخ، وإنما غدا معيارًا يُختبر به الإنسان. فلا يُسأل المرء عمّا يعتقده فحسب، وإنما عمّا يفعله حين يصبح الاعتقاد ثمنًا، وحين يتعارض الحق مع المصلحة، والعدل مع الخوف، والكرامة مع النجاة.
ولعل أعظم ما أبقته عاشوراء أنها لم تمنح الإنسان جوابًا مغلقًا، وإنما أبقته في مواجهة سؤالٍ لا يشيخ. فالإجابات تنتمي إلى أزمنتها، أما الأسئلة الكبرى فتنتمي إلى الإنسان نفسه؛ ولهذا لا تنتهي، وإنما تتجدد كلما تبدلت الوجوه، وبقيت الحقيقة واحدة.
والأربعين ليست سوى عودة هذا السؤال إلى الحياة بكل حضوره.
هناك يقف الإنسان أمام مرآة ضميره، لا ليحصي عدد الخطوات التي قطعها، وإنما ليرى المسافة التي قطعها في داخله. فليس المهم أن يبلغ كربلاء، وإنما أن تبلغ كربلاء قلبه. وليس المهم أن تقع العين على الضريح، وإنما أن تنكشف البصيرة على الحقيقة.
كم من إنسانٍ وصل إلى المكان، وبقي بعيدًا عن المعنى. وكم من آخر لم يدرك المكان، وأدرك المعنى؛ فصارت الأرض كلها ميدانًا لامتحان ضميره.
ولم يكن أعظم ما أنجزه الحسين أن انتصر اسمٌ على اسم، أو بقي ذكرٌ في الذاكرة؛ وإنما أنه أعاد تعريف الإنسان. أثبت أن قيمة المرء لا تُقاس بما ينجو به، وإنما بما يأبى أن يموت في داخله؛ بالحق الذي يصونه، والعدل الذي يحمله، والكرامة التي لا يساوم عليها، مهما كان الثمن.
وتلك هي المفارقة التي يعجز الزمن عن تفسيرها؛ فهو يبتلع الإمبراطوريات، ويطوي أسماء الملوك والجبابرة، ثم يقف صامتًا أمام فكرةٍ حملها رجلٌ خرج في قلةٍ من أصحابه. فكل قوةٍ تنتهي عند حدود الزمن، أما الحقيقة فتبدأ من حيث يعجز الزمن عن بلوغه.
لهذا لا تنتهي الأربعين بانتهاء المسير، ولا ينقضي أثرها بانفضاض الجموع. الذي ينتهي هو الطريق، أما المعنى فلا يعرف نهاية. إنه يبدأ كلما اختار الإنسان العدل على المنفعة، والصدق على الخوف، والكرامة على المساومة.
الأربعين ليست يومًا يعود كل عام، وإنما حقيقةٌ تعود كلما وقف الإنسان بين ما يشتهي وما ينبغي أن يفعله. هناك يبدأ الامتحان الحقيقي؛ فإما أن ينتصر المعنى على الزمن، وإما أن ينتصر الزمن على الإنسان.













