حين ينحني الرأس وتتكلم الدمعة
لا أدري أهي الفطرة حين تصفو، أم المودّة حين تسمو، أم الإيمان حين يسري في القلب فيرقّ، أم عِظَمُ المصيبة حين يُروى فيضيق لها الصدر ويشرق؟ لكنني كلما ذُكر محمدٌ وآل محمد، انحنى رأسي إجلالًا، وكلما ذُكرت مصائبهم، انهمرت دمعتي سؤالًا وابتهالًا؛ كأن في القلب عهدًا لم أكتبه، وحبًّا لم أتعلّمه، ونداءً قديمًا يسمعه الوجدان ولا تدرك سرَّه الآذان.
ولست وحدي في هذا الشعور؛ فقد رأيت الطفل تسبقه عبرته قبل أن يعرف تفاصيل الواقعة، ورأيت الشيخ يرتجف صوته كأن المصاب حدث في ساعته، ورأيت الشاب يخفي دمعته حياءً، ولكن العين تفضح ما أخفاه القلب إباءً. فهل هذا الحزن عادةٌ توارثناها، أم محبةٌ أودعها الله في بعض القلوب فنمت وسقاها الذكر؟
يقول الله تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ ، والمودّة ليست كلمةً تُقال، بل محبةٌ لها أثر، ووفاءٌ له خبر؛ تفرح لفرح المحبوب، وتحزن لحزنه، وتحفظ مقامه، وتتألم لظلمه.
وقد قال رسول الله ﷺ في الحسين
: «حسينٌ مني وأنا من حسين، أحبَّ اللهُ من أحبَّ حسينًا»؛ فكأن محبة الحسين طريقٌ إلى محبة الرسول، ومحبة الرسول بابٌ إلى محبة الله، ومن أحبّ حقًّا رقّ عند الذكر، واشتاق عند الخبر، وتألم إذا سمع بما جرى على من أحب.
ورُوي عن الإمام الحسين
قوله: «أنا قتيل العَبرة، لا يذكرني مؤمنٌ إلا استعبر»؛ وكأن في مصيبته سرًّا يتجاوز الزمان والمكان، لأنها لم تكن مقتل رجلٍ فحسب، بل جرحَ عدالة، وغربةَ رسالة، وذبحَ طهرٍ أمام عيون الإنسانية.
ولكن الدموع ليست مقياسًا وحيدًا للإيمان، ولا جفاف العين دليلًا قاطعًا على القسوة أو العصيان؛ فالناس مختلفون في التعبير، فمنهم من يبكي بعينه، ومنهم من يبكي في قلبه، ومنهم من يتحول حزنه إلى موقفٍ وعمل، وإصلاحٍ وأمل. فلا نلوم من لم تجرِ دمعته، ولا نزكّي أنفسنا لمجرد نزول دمعتنا؛ فرب عينٍ باكية وقلبها غافل، ورب عينٍ ساكنة وقلبها بالمحبة مشتعل.
إنما هي نعمةٌ إن أورثت خشوعًا لا ادعاء، وتقوى لا رياء، واقتداءً لا بكاءً ينتهي بانتهاء العزاء. فالدمعة الصادقة ليست نهاية الحكاية، بل بدايتها؛ تغسل القلب من القسوة، ثم تدعوه إلى الرحمة، وتوقظه من الغفلة، ثم تقوده إلى الاستقامة.
وحين ينحني رأسي لذكرهم، لا أشعر أنني ضعيف، بل أشعر أن روحي عرفت مقامًا فهابته، وعرفت مظلوميةً فأوجعتها، وعرفت أهل بيت النبوة فأحبّتهم؛ فتكلم القلب بالصمت، وتكلمت العين بالدمع، وما بين الصمت والدمع… سكن العشق، وصدق الودّ، ونطق الإيمان.













